آخر تحديث :الخميس-15 أكتوبر 2026-02:32ص

الكويت في وجه الإمبراطورية الفارغة

الإثنين - 07 سبتمبر 2026 - الساعة 07:33 ص
محمد أحمد العولقي


هناك دول تُبنى بالمؤسسات، وهناك مشاريع تُبنى بالشعارات، والفارق بينهما أن الأولى تبقى حين تسقط الأصنام، والثانية تسقط مع أول صنم يتحطم. الكويت من النوع الأول: دولة صغيرة المساحة، لكنها أكبر من أن تُختزل في خطاب "المقاومة" الذي أدمنته طهران كما يدمن المفلس شراء أوراق اليانصيب، على أمل أن تعوّضه جولة أخرى عمّا خسره في كل الجولات السابقة.

لنكن صريحين إلى حد الوقاحة: إيران لا تصدّر ثورة، هي تصدّر إفلاسها. حين تعجز عن إطعام شعبها وتعالج عملتها بالمسكّنات بدل الجراحة، تكتشف أن أرخص وسيلة لتصدير أزمتها الداخلية هي أن تشغل جيرانها بحروب بالوكالة، وأن تمنح أذرعها المبعثرة من بيروت إلى صنعاء ألقاباً براقة، وكأن الفوضى المنظمة تكتسب شرعيتها بمجرد تسميتها "محوراً". المفارقة أن هذا المشروع لم يحرّر شبرًا واحدًا من أي أرض، ولم يقدّم لشعوب تلك الدول سوى عملات منهارة وبنية تحتية مدمّرة، مقدماً البرهان على أنه أتقن فقط تحرير الدول العربية من استقرارها واقتصادها.

في المقابل، يستيقظ المواطن الكويتي صباحاً ليجد دولة تحصي مواطنيها لا أتباعها، ومجتمعاً يتمتع بسقفٍ عالٍ من الحريات الفكرية والاجتماعية وسيادة القانون، وحكومة تدير علاقاتها الخارجية بمنطق المصلحة الوطنية لا بمنطق "الواجب الشرعي" تجاه ولي فقيه يجلس على بعد آلاف الكيلومترات ويوزّع صكوك الولاء كما توزَّع الإعانات هذا الفارق ليس تفصيلاً بروتوكوليًا، هذا هو الفارق بين من يملك قراره السيادي ومن يستعير قراره من الخارج ثم يسميه "استقلالاً".

يحلو للبعض أن يصف الاعتدال الكويتي بالضعف، وهذا بالضبط منطق من لا يفرّق بين الحكمة والخنوع، الدولة التي ترفض أن تتورط في حروب الآخرين، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقة متوازنة مع محيطها الخليجي والعربي دون أن تتحول إلى ساحة اقتتال بالوكالة، ليست دولة خائفة، بل دولة تعرف تمامًا كم يكلّف الغرور الإقليمي من دماء ومن اقتصاد منهار، وهو الثمن الذي تدفعه اليوم طهران وأذرعها في أكثر من عاصمة.

والأطرف في الأمر أن من يتشدّق ليل نهار بمحاربة "الاستكبار العالمي" هو نفسه من يمارس استكبارًا إقليميًا مصغّرًا، فيطلب من كل دولة أن تكون بيدقاً في رقعته، ويصف من يرفض الانصياع بـ"العميل"، بينما هو عاجز عن تسيير قطار داخلي أو تأمين كهرباء لا تنقطع في عزّ الصيف. الكويت، في هذه المعادلة، لا تحتاج أن تثبت شيئًا لأحد، يكفيها أنها بقيت كويتية، بلا شعارات كبرى وبلا أوهام إمبراطورية، وهذا وحده كافٍ ليفضح زيف كل خطاب يريد أن يبيعك الخراب على أنه تحرير.

الكويت ليست بحاجة للشعارات الفضفاضة لتثبت حضورها، فحكمتها السياسية ورقي نموذجها التنموي هما جوهر قوتها، إنها تقف اليوم، أمام مشاريع ما وراء الحدود، شاهدًا حيًا ورصينًا على أن احترام السيادة وبناء الإنسان يصنعان دولة راسخة، وأن تصدير الفوضى بحثًا عن نفوذ موهوم لا يحصد في النهاية سوى العزلة والانهيار.