ليست كل قرارات التعيين تمرّ على الناس بالقدر نفسه من الشعور والاهتمام، لكن حين سمعت قرار تعيين وليد الإبارة وزيراً، شعرت لأول مرة منذ زمن أن هناك قراراً يستحق التوقف عنده، ليس مجاملةً للرجل، ولا احتفاءً بالمنصب، وإنما لأنني أعرف وليد منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وأعرف جيداً ما يمتلكه من فكر وثقافة ورؤية.
عرفت وليد قبل أن يصبح وزيراً، وهذه نقطة مهمة.
عرفته إنساناً مثقفاً، واسع الاطلاع، صاحب عقل حاضر وأسئلة كبيرة، ورجلاً يمكن أن تجلس معه فتجد نفسك أمام موسوعة فكرية لا تنضب. كان دائماً يحمل همّ الوطن، ويتحدث عن الدولة التي نريدها، دولة المؤسسات والقانون، الدولة التي يكون فيها النظام فوق الأشخاص، والكفاءة فوق المحسوبية، والمصلحة العامة فوق المصالح الضيقة.
واليوم، وبعد سنوات طويلة، تشرفت بلقائه من جديد.
جلسنا نستعيد شيئاً من الماضي، وتحدثنا عن أيام مضت، وعن أحلام ظلت حاضرة رغم تغير الظروف وتبدل المواقع. وكان اللافت بالنسبة لي أن وليد لم يتغير.
لم يأخذه المنصب بعيداً عن الإنسان الذي عرفناه، ولم تجعله المسؤولية يتعالى على ماضيه، ولم ينسَ أولئك الذين شاركوه يوماً أحلامه وطموحاته.
وهنا تحديداً تكمن قيمة الرجل.
فالمنصب قد يمنح صاحبه لقباً، لكنه لا يمنحه بالضرورة احترام الناس. والكرسي قد يفتح أبواباً كثيرة، لكنه لا يستطيع أن يشتري التواضع ولا الوفاء ولا الثقافة ولا صدق المواقف.
وليد الإبارة، ابن ريمة، يدخل اليوم إلى موقع المسؤولية محملاً برصيد من المعرفة والتجربة، والأهم من ذلك أنه يدخل وهو يحمل حلماً قديماً لم يتخلَّ عنه: حلم الدولة التي يحكمها القانون وتبنيها المؤسسات.
ولهذا، فإنني أرى أن اختيار القيادة السياسية له، وفي مقدمتها رئيس مجلس القيادة الرئاسي، كان اختياراً موفقاً لشخصية تمتلك القدرة على التفكير والحوار والعمل، وقادرة على أن تضيف إلى موقعها لا أن تكتفي بما يمنحه الموقع من وجاهة.
ولا يعني ذلك أن الطريق سيكون سهلاً، فاليمن اليوم بحاجة إلى مسؤولين لا يكتفون بالكلام الجميل، بل يحولون الأفكار إلى قرارات، والطموحات إلى مشاريع، والمسؤولية إلى عمل ملموس يشعر به المواطن.
لكننا، في الوقت ذاته، من حقنا أن نتفاءل عندما نرى وجوهاً نعرفها من قبل، ونشهد لها بالعلم والثقافة والتواضع، تصل إلى مواقع القرار.
وليد الإبارة أمام مسؤولية كبيرة، والاختبار الحقيقي يبدأ من اليوم.
نأمل أن يبقى ذلك الرجل الذي عرفناه قبل خمسة عشر عاماً، وأن يحمل إلى موقعه الجديد ذات الروح، وذات الفكر، وذات الإيمان بدولة المؤسسات والقانون.
فاليمن لا تحتاج فقط إلى وزراء يجلسون خلف المكاتب، وإنما تحتاج إلى رجال يؤمنون بأن المنصب أمانة، وأن السلطة مسؤولية، وأن الوطن أكبر من الأشخاص والمناصب.
مبارك لابن ريمة هذا الاستحقاق، ومبارك لليمن إذا استطاع وليد الإبارة أن يجعل من موقعه الجديد محطة للعمل والبناء وتحقيق شيء من ذلك الحلم الذي تحدثنا عنه بالأمس، وما زلنا نحلم به اليوم:
يمنٌ تحكمه المؤسسات، ويحميه القانون، وتكون فيه الكفاءة هي الطريق إلى المسؤولية.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به أن الإنسان الحقيقي يُعرف قبل المنصب، ويُختبر بعده.
وقد عرفنا وليد قبل المنصب، والآن ينتظر اليمن أن يراه في المنصب.