عندما بعث القائد العام للحرس الثوري الإيراني اللواء محمد باكبور برسالة تعزية رسمية لقيادة الحوثي في مقتل رئيس هيئة أركانها محمد الغماري، واصفاً إياه بـ القائد الإسلامي الكبير ، لم يكن يذيع سراً استخباراتياً، بل كان يمنح الغماري صفة لا تُمنح إلا لقادة الصف الأول في محور المقاومة الذي تقوده طهران، ما يكشف عملياً أن رئيس أركان الحوثي كان يُعامَل كحلقة وصل عسكرية بين طهران وصنعاء، لا كضابط في جيش دولة مستقلة. هذه الحقائق الموثقة، من هذه التعزية إلى إقرار رئيس الأركان الإيراني محمد باقري بالدعم العسكري، إلى تقارير لجنة العقوبات الأممية، تسقط كل مساحيق التجميل عن فكرة القرار الوطني ، وتضعنا أمام واقع سياسي جاف: صنعاء باتت غرفة عمليات متقدمة تُدار بالكامل لحساب الحرس الثوري الإيراني.
الحوثيون لا يسيطرون على باب المندب جغرافياً، لكنهم يهددونه من تعز والحديدة بصواريخ ومسيّرات صُنعت بقرار خارج الحدود. هذا ليس رد فعل على حرب، بل استثمار إيراني قديم في موقع يطل على أهم شرايين التجارة العالمية. اليمن بالنسبة لطهران ليس دولة جارة، بل منصة نار إضافية بجوار هرمز.
أقوى الأدلة الإضافية تأتي من الإيرانيين أنفسهم. قائد الحرس الثوري الأسبق محمد علي جعفري قال بوضوح قبل سنوات إن السيادة في اليمن اليوم في يد أنصار الله ، ووصف الدعم الإيراني بأنه استشاري ومعنوي . رئيس الأركان محمد باقري ذهب أبعد عندما حصر هذا الدعم في الحرس الثوري وحده، ثم حاول تغليفه بعبارة استشاري وفكري . في قاموس طهران، كلمة استشاري تعني ضباط ميدان، لا مقالات رأي.
من جهة أخرى، رصدت تقارير أممية سرية وعلنية انتقال الحوثيين من جماعة محلية محدودة إلى منظمة عسكرية قوية بفضل دعم الحرس الثوري وحزب الله. الحديث لم يعد عن شحنات سلاح متفرقة، بل عن تدريب تكتيكي وفني لعناصر حوثية في إيران ولبنان والعراق بجوازات سفر مزوّرة، وعن شبكات تمويل عبر النفط تهدف إلى تغذية المجهود الحربي للجماعة. وفي 13 يوليو 2026، كشفت رويترز أن رحلة كانت تحمل ما بين 10 و21 من عناصر الحرس الثوري، بينهم قيادات رفيعة، ومعدات للصواريخ والطائرات المسيّرة، بل وشحنة من الذهب لتمويل أنشطة الجماعة، تعرّضت طائرتها لتغيير طارئ في مسارها من صنعاء إلى الحديدة بعد استهداف المطار.
في المقابل، لا يُظهر الحوثي أي حرص على مصالح اليمنيين أنفسهم. فالجماعة عطّلت إعادة ربط صنعاء بمحطة مأرب الغازية، ورفضت إصلاح خطوط الكهرباء التي كان يمكن أن تخفف العتمة عن ملايين المواطنين في الشمال. رفضت أيضاً مبادرات لتسهيل الحركة الجوية والإنسانية، وهاجمت مصادر دخل يمنية، من الطيران المدني إلى موانئ التصدير، بينما ترفع شعارات مواجهة العدوان و الاستقلال . استقلال عن مَن؟ عن الدولة اليمنية، لا عن الدولة الراعية في طهران.
السلوك السياسي يجيب أيضاً. عند أول اختبار كبير، عندما تعرّضت إيران لضربات أمريكية وإسرائيلية في مارس 2026، خرج عبدالملك الحوثي معلناً دعم طهران، وداعياً اليمنيين للخروج تضامناً مع دولة أخرى. جماعة تصطف فوراً مع عاصمة أجنبية، وتضع الاستعداد العسكري تحت تصرفها، لا يمكن أن تقنع أحداً بأنها حركة تحرر وطنية.
المشكلة لم تعد يمنية فقط. فتهديد السفن في البحر الأحمر، وربط باب المندب بحسابات الصراع الإيراني مع الغرب، يجعلان من الحوثي قضية دولية. الدول الكبرى التي تمر بضائعها وطاقتها عبر هذا الممر لن تقبل أن تترك أمنها في يد جماعة تتلقى أوامرها من خارج الحدود.
خلاصة القول إن الحوثيين لا يتحركون كسلطة تبحث عن مصلحة بلد مفلس ومنهك، بل كفصيل في شبكة إيرانية أوسع. وما دام القرار في صنعاء يُقاس بما يجري في طهران، فلن تنفع البيانات ولا التعهدات. ومع هذا النوع من الوكلاء، تقول التجربة إن اللغة الوحيدة المفهومة هي لغة موازين القوة، لا لغة حسن النوايا.