أهلاً بكم في العمارة المشتركة؛ ذلك المبنى العريق الذي شُيّد ليكون بيتاً يتسع لجميع سكانه، فإذا به يتحول، بمرور السنوات، إلى عقارٍ تتنازع ملكيته الأختام والبنادق، بينما يُترك أهله يتنازعون على بقايا الكهرباء والماء ورغيف الخبز.
وبصفتي مستأجراً قديماً في الطابق الذي يتمتع بخدمة انقطاع الكهرباء على مدار الساعة، ويسكنه الماء إذا شاء ويغادر إذا شاء، يشرفني أن أقدم هذا الدليل لكل من يفكر في السكن داخل هذه العمارة. أما من يبحث عن الأمن أو الاستقرار أو الخدمات، فليبحث عن عنوانٍ آخر.
فالعيش هنا لا يحتاج إلى عقد إيجار بقدر ما يحتاج إلى قدرةٍ استثنائية على التأقلم مع العبث؛ إذ قد تستيقظ على بيانٍ حكومي يبشرك بقرب الفرج، ثم تنام على انقطاع الكهرباء، أو تسمع خطاباً عن السيادة بينما لا تجد أسطوانة غاز، أو تقرأ عن الانتصارات فيما أقرب مستشفى يعجز عن توفير حقنة مضاد حيوي.
في الطابق الأول، يقيم مالك يحمل صك ملكية معترفاً به دولياً، لكنه يبدو أحياناً وكأنه استأجر السلطة ولم يسكنها. يدير العمارة من الفنادق أكثر مما يديرها من داخلها، حتى أصبح الموظفون يعرفون أسماء الفنادق التي تُعقد فيها المؤتمرات أكثر مما يعرفون موعد نزول رواتبهم.
أما الرواتب، فهي تسافر نحو أصحابها ببطءٍ أسطوري، حتى يخيل إليك أنها تشيخ في الطريق. وإذا اشتكى موظف من الجوع، استُقبل بابتسامة دبلوماسية دافئة، ووُعد بأن معاناته ستكون بنداً رئيسياً في ورشة العمل القادمة. أما إذا مات قبل وصول مستحقاته، فستصل إليه برقية التعزية في موعدها، فالإجراءات البروتوكولية هنا أكثر انتظاماً من الرواتب نفسها.
ورغم ذلك، لا يتوقف هذا المالك عن الحديث عن إعادة البناء، حتى بات السكان يعتقدون أن أول ما سيُعاد بناؤه هو المؤتمرات نفسها، أما العمارة فستبقى مؤجلة إلى إشعارٍ آخر.
أما في الطابق الثاني، فقد حُلّت مشكلة الشرعية بطريقة أبسط بكثير؛ فالبندقية، في نظر أصحابها، تغني عن الدستور، والصاروخ يغني عن صندوق الاقتراع، والجباية تُعد دليلاً كافياً على حق الحكم.
هناك لا تُقرأ وثائق الملكية… بل تُسمع.
تُجبى الخُمس والزكاة والضرائب ورسوم الحياة ورسوم البقاء من أفقر السكان، ثم تُنفق بسخاء على صواريخ تعرف طريقها إلى البحر أكثر مما تعرفه شاحنات القمح إلى الأسواق. وكأن السياسة الخارجية أصبحت أكثر ازدهاراً من المطبخ الداخلي.
أما السكان، فقد اعتادوا تأجيل كل شيء؛ الخبز مؤجل، والدواء مؤجل، والمستقبل نفسه مؤجل، بينما البيانات العسكرية لا تتأخر دقيقة واحدة.
وإذا طالب أحد المستأجرين بإنارة السلم، أو إصلاح المصعد، أو صرف راتبه، قيل له إن الأولوية الآن لمعركة أكبر من حاجته إلى الحياة، وإن المطالبة بالخدمات ليست سوى مؤامرة لتثبيط المعنويات. وهكذا أصبح الحصول على تهمة أسهل كثيراً من الحصول على خدمة.
وبين الطابقين، تتحول المنتجعات الفاخرة إلى مكاتب لإدارة العقار. تُلتقط الصور التذكارية أمام الكاميرات بابتسامات عريضة، ثم تُغلق الأبواب ليبدأ المزاد الحقيقي؛ حيث تُعامل ملفات الأسرى والمعتقلين كما تُعامل عقود المقاولات، ويُساوَم على البشر كما يُساوَم على شحنة إسمنت أو قطعة غيار لمصعدٍ متوقف منذ سنوات.
أما المفاوضات، فلا يبدو أنها تبحث عن إنهاء الحرب بقدر ما تبحث عن تنظيمها، بحيث يبقى لكل طرف نصيبه من الخراب، ولكل وسيط نصيبه من التصفيق.
أما مجلس الأمن الدولي، فقد اختار لنفسه وظيفة المهندس الاستشاري للعمارة. يزور موقع الانهيار كلما سقط جدار، يلتقط صورةً تذكارية مع الركام، ثم يعود ليصدر بياناً جديداً يعرب فيه عن قلقه العميق.
ولم يصل إلى هذه العمارة بانتظام سوى القلق الدولي؛ خدمة مجانية لا تنقطع، لكنها، لسببٍ غامض، لا تُضيء مصباحاً، ولا تُصلح أنبوب ماء، ولا تمنع سقفاً من السقوط.
وفي زاوية العمارة، يقف المواطن؛ المستأجر الوحيد الذي دفع مقدم الإيجار من دمه، وأقساطه الشهرية من صحته وكرامته. يسمع الجميع يتحدثون باسمه، لكن أحداً لا يسأله ماذا يريد.
لم يعد يسأل: من يحكم؟
بل صار يسأل سؤالاً أكثر تواضعاً:
من سيدفع الراتب؟
ففي زمن الجوع، تصبح كشوف المرتبات أقرب إلى وثائق الهوية، ويغدو الانتماء عند كثيرين مرتبطاً بمن يضمن لقمة العيش، لا بمن يرفع أكثر الشعارات.
أما شباب العمارة، فقد تحولوا إلى ديكور دائم في ممرات الانتظار؛ وجوهٌ يزداد عمرها، بينما تبقى أحلامها معلقة عند سنة التخرج.
يحمل أحدهم شهادته الجامعية كما يحمل مفتاح بابٍ لا وجود له، وسيرةً ذاتية يتنقل بها بين أبوابٍ لا تُفتح إلا بالمحسوبية أو المصادفة.
لم يعد يحلم بامتلاك منزل، بل بوظيفة تكفيه ليبدأ حياته.
أما الزواج، فقد أصبح مشروعاً يحتاج إلى ميزانية دولة، لا إلى راتب شاب.
وهكذا تؤجل الأعمار كما تؤجل مشاريع إعادة الإعمار، حتى صار الانتظار هو الوظيفة الوحيدة التي لا تحتاج إلى إعلان.
ومن ضاق بالانتظار، حمل حقيبته ورحل.
هاجر الطبيب قبل أن يعالج مرضاه.
وهاجر المهندس قبل أن يرمم الجدران.
وهاجر الأستاذ قبل أن يفتح فصلاً جديداً.
وهاجر المبرمج قبل أن يجد كهرباء تكفي لإنهاء مشروعه.
وكانت العمارة كريمةً على نحوٍ عجيب؛ فهي لا تصدّر النفط ولا الغاز بقدر ما تصدّر أفضل من يعرف كيف يبنيها.
كلما ازداد أحد سكانها علماً أو مهارة، ازدادت فرص مغادرته، حتى صار النجاح في هذه العمارة تذكرة سفر أكثر منه سبباً للبقاء.
ولم تكتفِ العمارة بسرقة رواتب الآباء، بل سرقت أيضاً أعمار الأبناء، ثم أهدت عقولهم إلى عماراتٍ أخرى، لتبقى هي عامرةً بالشعارات… وفقيرةً بالكفاءات.
وفي نهاية هذا المشهد، يبدو أن المالكين اتفقا أخيراً على أمرٍ نادر؛ فبعد كل هذا الخلاف، اكتشفا أن المشكلة ليست في السقف المتصدع، ولا في الجدران المتآكلة، ولا في المصاعد المعطلة، ولا في ملايين السكان الذين يعيشون على ضوء الشموع، بل في وقاحة المستأجر الذي ما زال يظن أن من حقه أن يعيش بكرامة داخل بيته.
وهكذا، تحولت العمارة إلى أغرب مشروع استثماري عرفته المنطقة؛ يدفع السكان تكلفة بنائها، ثم يدفعون تكلفة هدمها، ثم يُطلب منهم المساهمة في إعادة إعمارها، بينما يحتفظ المالكان بحق إدارة الخراب كلٌ بطريقته.
الأول يتحدث كثيراً عن الدولة حتى يكاد يقنعك أنها قائمة، لكنه يعجز عن إقناع الموظف بأن راتبه سيصل قبل نهاية العام، أو المريض بأن الدواء ليس رفاهية، أو الطفل بأن المدرسة ليست مبنى مهجوراً.
والثاني يتحدث كثيراً عن النصر حتى يكاد يقنعك أنه تحقق، لكنه يعجز عن إقناع الأب بأن الصاروخ يمكن أن يحل محل رغيف الخبز، أو الأم بأن البيانات العسكرية تطبخ العشاء، أو الشاب بأن الشعارات تصلح أساساً لبيت أو مهراً لزواج.
وبينهما، يقف المواطن حاملاً فاتورةً لا تخصه، يسددها كل يوم من دمه، ومن صحته، ومن مستقبله، ثم يُطلب منه أن يشكر من سمح له بالبقاء على قيد الحياة.
أما العالم، فما زال يجلس في شرفة العمارة المقابلة، يراقب الدخان بمنظارٍ فاخر، ويحصي الشقوق في الجدران بدقةٍ مذهلة، ثم يكتب في تقريره السنوي أن المبنى معرضٌ للانهيار إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه، وكأن السكان لم يكتشفوا ذلك إلا بعد تقريره.
والأطرف من كل ذلك أن كل طرفٍ يَعِدُ السكان بأنه، إذا تسلم العمارة كاملة، فستتحول إلى جنة. والغريب أن السكان جرّبوا الوعود أكثر مما جرّبوا الكهرباء، حتى أصبحوا يشكون في أن التيار الكهربائي نفسه قد هاجر مع بقية الكفاءات.
ولعل أعظم إنجاز حققته إدارة العمارة أنها نجحت في تحويل السكان من أصحاب بيت إلى مستأجرين فيه، ثم من مستأجرين إلى متفرجين، ثم من متفرجين إلى أرقامٍ في تقارير الإغاثة، بينما بقيت العمارة نفسها تتصدر نشرات الأخبار بوصفها أزمةً دولية، لا بيتاً يسكنه بشر.
يا وطني…
لم تكن مشكلتك يوماً في قلة الحجارة، بل في كثرة البنّائين الذين هدموك ليبيعوا للناس خرائط إعادة بنائك.
لم تكن فقيراً، بل أُفقرت.
ولم تكن عاجزاً، بل أُنهكت بين شرعيةٍ تعترف بها الدنيا أكثر مما تراها في الميدان، وسلطةٍ تفرض نفسها في الميدان أكثر مما يعترف بها العالم.
وكلما تشقق جدار، عقدوا مؤتمراً.
وكلما سقط سقف، أصدروا بياناً.
وكلما مات مستأجر، اختلفوا على الجهة التي يحق لها إصدار التعزية.
حتى صار الخراب هو المشروع الوحيد الذي يُنفَّذ في موعده، وصارت البيانات أكثر انتظاماً من الكهرباء، والوعود أكثر وفرةً من المياه، والخطب أطول عمراً من الجسور والطرق والمدارس.
وسيأتي يوم، عاجلاً أم آجلاً، يكتشف فيه المستأجرون أن العمارة لم تكن تحتاج إلى مالكٍ جديد، ولا إلى بوابٍ جديد، ولا إلى سمسارٍ دولي جديد، بل إلى أن تعود مفاتيحها إلى أصحابها الحقيقيين؛ أولئك الذين بنوها بعرقهم، ودافعوا عنها بدمائهم، ودفعوا ثمن بقائها من أعمارهم، لا من بياناتهم.
وعندها فقط…
لن تكون هذه العمارة مشتركة بعد الآن.
بل ستعود… وطناً.