اليمن.... أولاً*
في السياسة، لا تُقاس قيمة المواقف بمدى التصفيق لها في لحظتها، بل بقدرتها على الصمود أمام اختبار الزمن. وكثير من الأصوات التي كانت تُهاجَم بالأمس، تتحول لاحقًا إلى أصوات استشراف وقراءة مبكرة للمشهد. ومن بين أبرز تلك الأصوات في المشهد اليمني، برز صوت أحمد الميسري الذي وقف في مرحلة حساسة ليقول بوضوح: إن هناك انحرافًا عن الأهداف الحقيقية التي قامت عليها عاصفة الحزم.
في الوقت الذي كانت فيه بوصلة التحالف تتحرك في اتجاهات مغايرة للأهداف المعلنة، كان الميسري من القلائل الذين تحدثوا بلغة الصراحة الوطنية والأخوية والعربية، محذرًا من أن بعض السياسات والممارسات على الأرض لا تخدم استعادة الدولة اليمنية، بل تدفع نحو تفكيكها وإضعاف سيادتها، وتمكين مشاريع موازية تتعارض مع جوهر التحالف وأهدافه الأولى.
حينها، تعرض الرجل لحملات سياسية وإعلامية واسعة، ليس لأنه كان خصمًا للتحالف، بل لأنه كان يحاول أن يحافظ على المعنى الحقيقي للتحالف، وعلى فلسفة التدخل العربي التي انطلقت تحت عنوان دعم الدولة اليمنية ومنع سقوط المنطقة في مشاريع الفوضى والتمزق.
اليوم، وبعد أحداث حضرموت والتطورات التي دفعت السعودية إلى إعادة النظر في كثير من الحسابات السياسية والأمنية، تبدو كثير من تحذيرات الميسري وكأنها قراءة مبكرة لما ستصل إليه الأمور. فالتدخل السعودي الأخير لدعم توجهات مرتبطة بالحكومة الشرعية وإعادة التوازن في بعض المناطق، يعكس إدراكًا متأخرًا بأن هناك خللًا حقيقيًا حدث خلال السنوات الماضية، وأن بعض القوى التي تمددت على الأرض لم تعد تمثل ضمانة للاستقرار بقدر ما أصبحت جزءًا من تعقيد الأزمة.
لكن اللافت أن هناك تيارًا سياسيًا ظل لسنوات موجودًا في الرياض، يدرك في داخله صحة كثير من طروحات الميسري، لكنه اختار الصمت. ليس لأن الحقيقة كانت غامضة، بل لأن الحسابات الشخصية والمصالح الضيقة كانت أكبر من الموقف الوطني الصريح. هذا التيار لم يكن يعنيه كثيرًا مصير اليمن أو حتى مستقبل العلاقة الأخوية مع السعودية بقدر ما كان يخشى خسارة نفوذه ومصالحه السياسية.
ومع التحولات الإقليمية الأخيرة، خاصة بعد الحرب مع إيران، وإعادة تشكل التوازنات والمحاور في المنطقة، تبدو السعودية اليوم أمام مرحلة مختلفة تمامًا عن المراحل السابقة. فالمعادلة لم تعد مجرد دعم عسكري أو تشكيل حكومة، بل أصبحت مرتبطة بإعادة بناء حاضنة سياسية واجتماعية قادرة على خلق استقطاب وطني واسع يخدم الأهداف الاستراتيجية الجديدة لليمن وللمملكة والمنطقة.
فالتحالفات التي تتشكل اليوم في الإقليم — من محور السعودية وقطر وتركيا وباكستان ومصر، مقابل محاور أخرى منافسة — تجعل من الملف اليمني جزءًا من إعادة ترتيب كبرى في المنطقة. ولهذا بدأت الرياض تدرك أن المرحلة القادمة تحتاج إلى أدوات سياسية مختلفة، وقيادات تمتلك حضورًا شعبيًا حقيقيًا، وقادرة على النزول إلى الشارع والتأثير في المزاج العام، لا مجرد شخصيات رسمية تعيش داخل الغرف المغلقة والفنادق السياسية.
ومن هنا يبرز السؤال الكبير: لماذا لا تزال بعض القوى المحيطة بصناعة القرار تحاول إبعاد شخصيات تمتلك هذا التأثير الشعبي والسياسي مثل أحمد الميسري، وتدفع بدلًا عنها بقيادات تقليدية محسوبة على المؤتمر الشعبي العام أو غيره، تفتقد للحضور النفسي والاجتماعي والتاريخي داخل جنوب اليمن فضلاً عن اليمن
المشكلة أن هذه القوى لا تزال تفكر بعقلية إدارة النفوذ، لا بعقلية صناعة التحولات. فهي تريد شخصيات مطواعة لقناعاتها لا شخصيات قادرة على تحريك الشارع، بينما المرحلة الحالية تتطلب قيادات تمتلك كاريزما سياسية وشعبية، وتستطيع إعادة بناء الثقة بين الداخل اليمني والمملكة العربية السعودية أمام الاستقطاب الحاد من أطراف إقليمية أخرى
الابتعاد عن الميسري اثبت سابقا عدم جدواه اما استبدال أحد آخر بغير الميسري فلن تكون له نتيجة سوى تكرار الابتعاد عن المسار الصحيح للحلول.