آخر تحديث :السبت-23 مايو 2026-10:14م

حوار الطرشان… حرب تُدار لإخضاع العالم لا لإنهائها

السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 12:37 م
م. صالح بن سعيد المرزم

ما يحدث اليوم بين أمريكا وإيران ليس صداماً عسكرياً تقليدياً كما يحاول الإعلام تصويره، بل هو استكمال لمسلسل طويل من “حوار الطرشان” الذي تناولته في مقالاتي السابقة:


* “حوار الطرشان” — 20 مايو 2026

* “حوار الطرشان 2” — 21 مايو 2026

* “حوار الطرشان… العالم يدفع الثمن” — 22 مايو 2026


وقد أشرت فيها بوضوح إلى أن ما يجري ليس حرباً هدفها الحسم النهائي، بل إدارة فوضى طويلة المدى تُستخدم فيها التهديدات والتصريحات النارية لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي بما يخدم المصالح الأمريكية أولاً وأخيراً.


اليوم يعود ترمب مجدداً بخطابه المعتاد:

“سندمر… سنجرد… سنسحق… لن نسمح…”

تصريحات تتكرر منذ سنوات، لكن النتيجة على الأرض تبقى كما هي:

مضيق هرمز ما زال ورقة تهديد،

إيران ما زالت تفاوض،

والعالم ما زال يدفع فاتورة القلق والطاقة والتضخم والانكماش الاقتصادي.


ولهذا أرى أن كثيراً من هذه التصريحات ليست سوى ذرٍّ للرماد في العيون، بينما الحقيقة أعمق بكثير مما يُقال على المنابر السياسية.


فأمريكا اليوم هي المستفيد الأكبر من استمرار الأزمة، لا من إنهائها.


واشنطن تدرك أن العالم يعيش مرحلة تحولات اقتصادية خطيرة، وأن هيمنة الدولار لم تعد كما كانت، خصوصاً مع صعود التكتلات الاقتصادية الجديدة ومحاولات بعض القوى الكبرى التخلص التدريجي من الاعتماد الكامل على العملة الأمريكية.


ومن هنا بدأت أمريكا تستخدم الفوضى الجيوسياسية كسلاح اقتصادي عالمي.


فالولايات المتحدة لا تريد فقط حماية نفوذها السياسي، بل تسعى لأن تصبح “المزود البديل للطاقة” للعالم، مستفيدة من نفطها وغازها الصخري، إضافة إلى وضع يدها — بشكل مباشر أو غير مباشر — على الثروات الفنزويلية الهائلة، ثم إعادة ضخ هذه الطاقة للأسواق العالمية تحت العباءة الأمريكية.


والهدف الأعمق من ذلك هو إخضاع القوى الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها الصين، لإعادة الارتباط بالدولار الأمريكي عبر شراء الطاقة المرتبطة بالنظام المالي الأمريكي.


بمعنى أوضح:

كلما اشتعلت المضائق التقليدية وازدادت المخاطر في الخليج،

ازدادت حاجة العالم إلى “البديل الآمن”،

وهنا تتقدم أمريكا لتبيع النفط والطاقة والسلاح والحماية… بالدولار.


ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة نفط أو مضيق هرمز، بل معركة لإنقاذ هيمنة الدولار التي بدأ بريقها يتآكل خلال السنوات الأخيرة.


أما إيران، فهي الأخرى تدرك قواعد اللعبة جيداً، ولذلك ستواصل التفاوض لسنوات طويلة دون الوصول إلى مواجهة شاملة أو انهيار كامل، لأن استمرار الأزمة نفسها أصبح جزءاً من التوازن الدولي القائم.


لكن وسط هذا الضجيج العالمي والفوضى المشتعلة، تظهر السعودية كأكثر الدول دهاءً وبعد نظر في قراءة المشهد.


فالرياض لم تنتظر انفجار الأزمات حتى تتحرك، بل بدأت منذ عقود ببناء البدائل الاستراتيجية:

موانئ عملاقة،

مناطق لوجستية،

شبكات نقل عابرة للقارات،

ومشاريع ضخمة هدفها تقليل الاعتماد على المضائق التقليدية التي يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى رهينة للصراعات الدولية.


ومن هنا تتجلى الأهمية المصيرية لحضرموت.


حضرموت ليست مجرد أرض غنية بالنفط والثروات، بل هي بوابة الخليج الجنوبية، والحلقة الجغرافية الأهم في مستقبل الربط التجاري العالمي القادم.


وفي تقديري، فإن السنوات القادمة ستشهد تسارعاً هائلاً في مشاريع الربط بين الشرق والغرب عبر مسارات جديدة وآمنة بعيداً عن الاختناق الجيوسياسي للمضائق الحالية.


العالم بدأ يقتنع أن أمن التجارة والطاقة لا يمكن أن يبقى رهينة لممرات مهددة كل يوم.


ولهذا ستبرز المسارات البرية والبحرية البديلة، وستكون السعودية في قلب هذا التحول العالمي الكبير، بينما ستكون حضرموت الامتداد الطبيعي لهذا المشروع الاستراتيجي العملاق، والركن الجغرافي الذي لا يمكن تجاوزه إذا أرادت المنطقة بناء مستقبل اقتصادي مستقر وآمن.


فالصراع الحقيقي القادم لن يكون فقط على النفط…

بل على “طرق العالم الجديدة”.


ومن يفهم الجغرافيا جيداً، يدرك أن حضرموت ليست هامشاً في المعادلة…

بل ربما تكون إحدى أهم مفاتيح القرن القادم.