الطيبات لم تكن أطعمة تؤكل أو موضوعات يستمتع بها الإنسان في حدود اللذة الحسية فحسب وإنما هي نظام وجودي كامل يربط بين الإنسان والطبيعة والأخلاق والعقل.
فالقرآن حين تحدث عن مفهوم الطيبات أسس لفلسفة حضارية ترى أن صلاح الإنسان يبدأ من صلاح ما يدخل إلى جسده وعقله وروحه.
ولهذا لم يكن تحريم الخبائث من أجل حماية الجسد من الآفات وحماية الوعي الإنساني من الانهيار التدريجي.
ولقد أدركت الحضارات القديمة هذه الحقيقة بطرق مختلفة ونبدأ بفلسفة أبقراط الذي رأى أن الغذاء أصل الطب وأن فساد الجسد هو بداية اضطراب الفكر والنفس.
بينما رأى ابن سينا أن الاعتدال الغذائي جزء من توازن الإنسان الكلي لأن البدن مرتبط بالنفس ويتأثر كلاهما بالآخر.
أما أبو حامد الغزالي فقد ربط بين أكل الحلال وصفاء القلب مؤكدا أن للطعام أثرا أخلاقيا وروحيا ينعكس على السلوك والعقل.
و أشار ابن سينا في كتاباته الطبية إلى أن لحوم الإبل غليظة وتولد دما سوداويا مما قد يؤثر على المزاج.
وذكر الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب عند الحديث عن الأطعمة ما معناه أن الغذاء يصير جزءا من جوهر المغتذي ومن أكل شبها من شيء اكتسب من صفاته وذكر أن أكلة لحم الإبل يكون فيهم حقد وجفاء.
وأشار الإمام ابن القيم في كتابه زاد المعاد إلى أن الغذاء يؤثر في خلق المغتذي ورأى أن أكل الإبل والسباع والطيور الجارحة يورث الغلظة والشدة والمكر والحقد وربط حكم الإبل بالوضوء من لحمها لتسكين تلك القوة.
على العكس من الإبل والسباع حظيت الأغنام والدواجن بنظرة إيجابية جدا حيث اعتبروا أن أكل لحم الضأن يورث اللين والرحمة والسكينة.
وقد ربطوا ذلك بالحديث النبوي "السكينة والوقار في أهل الغنم".
وفي العصر الحديث صار الحديث عن الطيبات موضوعا علميا تتداخل فيه علوم التغذية والكيمياء الحيوية والطب النفسي وعلم الأعصاب.
ويؤكد العلم اليوم أن الغذاء يؤثر مباشرة على المزاج والإدراك والتركيز وحتى القرارات الأخلاقية.
وأن الدياثة والانحطاط الاخلاقي والمكر والحيل كما هو الشرف والغيرة مرتبط بأنظمة الغذاء.
إن الإنسان الذي يعيش على أنظمة غذائية مصنعة وفقيرة بالقيمة الحيوية يحمل جسدا متعبا وعقلا مرهقا ووعيا مضطربا.
لقد تحولت الصناعات الغذائية الحديثة في كثير من الأحيان من خدمة الإنسان إلى صناعة الاستهلاك فأصبح الهدف هو إنتاج غذاء سريع جذاب شكليا طويل الصلاحية عليه بصمات دعائية من أعداء الصحة الإنسانية من أطباء التغذية وأطباء الدعاية وخصوصا في عالم التيكتوك والتواصل الاجتماعي .
وهنا نشأ ما يمكن تسميته بتغريب الذائقة حيث لم يعد الإنسان يميز بين الطيب والضار وبين ما يثير الشهوة وما لا يثيرها حتى غدا التحول عن الفطرة من أهم بصمات التغذية المعاصرة وهكذا انفصل الوعي الغذائي عن الوعي الأخلاقي.
إن أخطر ما في الخبائث الحديثة أنها لا تأتي في صورة السم المباشر وإنما تتخذ خطوات للاستهلاك البطيء الذي يتخذ صورا اعتيادية يومية تأخذ نمط ذوقيا ونفسيا .
فالسكر الأبيض يرتبط بالإدمان بكل صوره الموجودة في الحلويات الشرقية والصناعية ومن يراقب الطفل في الحواضر يجد قلبه وعقله متعلق بهذه المنتجات الضارة سريع الانقياد لها غالبة على فكره وعلى غراره الكبار .
ومن صور الخبائث المعاصرة شيوع المواد الكيميائية الصناعية و الإفراط في المحسنات و ثقافة الاستهلاك المفرط و كلها تعيد تشكيل الإنسان من الداخل دون أن يشعر.
ولذلك فإن أزمة الغذاء المعاصر ليست أزمة صحة بقدر ما هي أزمة حضارة.
وقد أشار كثير من المفكرين المعاصرين إلى هذه العلاقة بين الغذاء والوعي؛ فالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو رأى أن السلطة الحديثة لا تتحكم بالإنسان عبر السياسة وحدها وإنما عبر إدارة الجسد وأنماط الحياة.
بينما تحدث إيفان إيليتش عن تحول المؤسسات الحديثة إلى أدوات ممنهجة لتضعف استقلال الإنسان باسم التقدم.
وفي هذا السياق يصبح الغذاء الصناعي جزءا من إعادة هندسة الإنسان الاستهلاكي.
إن نظام الطيبات هو مشروع وعي جديد يعيد التوازن بين العلم والأخلاق والعلم الحقيقي لا يعارض مفهوم الطيب وإنما يكتشف حكمته المتأخرة.
وكلما تقدم البحث العلمي ازداد الاقتراب من الفكرة القديمة التي تقول إن الطبيعة المتوازنة أقرب إلى سلامة الإنسان من الإفراط الصناعي المنفصل عن الفطرة.
ومن هنا فإن بناء المجتمعات لا يبدأ فقط من الاقتصاد والسياسة وإنما أيضا من إعادة تأسيس ثقافة الطيب؛ طيب الغذاء وطيب الكلمة وطيب الكسب وطيب البيئة لأن الإنسان يتشكل بما يستهلكه ماديا ومعنويا.
فكما أن الطعام الفاسد يمرض الجسد فإن الثقافة الفاسدة تفسد الوعي وحين يفسد الوعي تصبح الحضارة كلها معرضة للانهيار.
إن معركة الإنسان الحديثة ليست فقط مع الفقر أو المرض ولكنها معركة مع فقدان القدرة على التمييز بين الطيب والخبيث.
وحين يفقد المجتمع هذا الميزان يتحول التقدم التقني إلى قوة بلا حكمة ويتحول الاستهلاك إلى دين جديد تتقاذفه الرغائب والاهواء ويصبح الإنسان غنيا بالأشياء وفقيرا بالمعنى.
وقد ذكرت في مقالات سابقة أن العوضي كان أيقونة للوعي الصحي ولكن لا يجب التسليم بقوله إلا من خلال تجارب سريرية ودراسات علمية تأخذ على الأقل عشر سنوات .
أما حديثه عن التدخل الانساني والصناعات والمكونات والدواجن والتهجين والألبان وخطورتها فهذا كله له ما يؤيده علميا وطبيا وتجربة.
فهل سيتحول هذا الوعي إلى نمط حضاري يعيد تصحيح إنتاج الغذاء بصوره التقليدية وببذوره القديمة أم سيصبح فقاعةإعلامية تزول مع الوقت بزوال المؤثر أو بالتقادم؟