عندما تُسحق كرامة الإنسان العربي تحت بسطال السلطة، وتتحول الأوطان إلى سجون شاسعة يُحرم فيها المواطن من حق الحلم أو الاعتراض، فلا تتعجبوا إذا بحث الشباب عن "خلاص" ولو كان انتحارياً.
إن الأنظمة التي جعلت من شعوبها "آخر الاهتمامات"، وقدمت القرابين للعدو الصهيوني سراً وجهراً، هي التي عبّدت الطريق نحو الهاوية.
فالتطرف ليس إلا الصدى القبيح لصوت السوط الذي يلهب ظهور الأحرار في زنازين الاستبداد.
إن غياب الديمقراطية الحقيقية في الوطن العربي لم يكن مجرد خلل إداري، بل كان سياسة ممنهجة لتأبيد الكرسي. فالحاكم لا يسمح من "الحرية" إلا بما يؤيده، وما زاد عن ذلك فهو "خيانة" أو "فتنة".
هذا الكبت والتضييق على حرية الرأي والانتماء السياسي خنق كل القنوات السلمية للتغيير، ولم يترك للشباب سوى خيارين: إما الانبطاح التام، أو الانفجار في وجه مجتمع لم يعد يعترف بوجودهم. ولا بديمقراطية الزينة خديعة البقاء.
بينما تنشغل الأنظمة بتكديس الثروات، يغيب مفهوم التنمية الاقتصادية والاجتماعية بمعناه الواسع. لقد تحول الفساد من سلوك منحرف إلى "ثقافة رسمية" يفرضها الحكام لتأديب المجتمعات وتدجينها. فالتنمية المنهوبة وطن للأغنياء ومقبرة للفقراء.
وفي ظل غياب العدالة، يصبح الفقر والجهل هما "المحرك النفاث" الذي يدفع باليائسين نحو أحضان الجماعات المتطرفة التي تمنحهم – كذباً – شعوراً بالأهمية والرسالة.
ولا يمكن فصل نمو التطرف عن الشعور بالهزيمة الوطنية.
إن التبعية العمياء للغرب والمهادنة المخزية للعدو الإسرائيلي – سواء بالسر أو العلن – خلقت شرخاً عميقاً في الوجدان العربي.. فالانبطاح والتبعية خيانة السيادة.
الشباب يرى حكامه "أسوداً" على شعوبهم، و"نعاماً" أمام الخارج، مما ولد حالة من الاغتراب الوطني دفعت الكثيرين للبحث عن "هويات بديلة" خارج حدود الدولة الوطنية المهانة.
إن محاربة التطرف بالرصاص وحده هي معركة خاسرة سلفاً، لأن الرصاص لا يقتل الأفكار التي ولدها القهر.
إن المخرج الوحيد يبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان العربي، ووقف سياسات الكبت، وتجفيف منابع الفساد السياسي قبل تجفيف منابع التمويل.
فالحرية والكرامة هما اللقاح الوحيد الناجع ضد فيروس التطرف..