آخر تحديث :الإثنين-25 مايو 2026-06:19م

المجتمع وفساد التغيير بين تغيير البنية وتغيير النظام

الإثنين - 18 مايو 2026 - الساعة 04:25 م
د. جمال الهاشمي

لم تكن كل الثورات تغييرا كما لم يكن كل الانقلابات إصلاحا فكم من أمة بدلت حكامها وبقيت أسيرة للعقل نفسه وللفساد ذاته وللاستبداد عينه وللغرائز نفسها.

إن الإشكال الحقيقي في المجتمعات الذي انعكس وصفا ومضمونا في النظام السياسي وكل ذلك في البنيتين المجتمعية والسياسية من مؤشرات صلاح او فساد النظام الكامن داخل الإنسان.


ولهذا استطاعت مشاريع التغيير الحديثة أن تسقط الأنظمة لكنها عجزت عن إسقاط انحطاطاتها الداخلية الكامنة.

لقد أدرك الفلاسفة الكبار منذ القدم أن الدولة صورة مكبرة عن المجتمع والمجتمع انعكاس لأفراده وأسره ومنظوماته وما يظهر في القصر يوجد في السوق والمدرسة والجامعة .

وما يمارسه الحاكم تمارسه الجماعة بصيغ أصغر سواء في الأسرة أو القبيلة أو الحزب والمسجد والجمعية .

ولهذا قال أفلاطون إن فساد المدينة يبدأ بفساد النفس لأن الدولة عنده انعكاس لأخلاق سكانها.

وقد كانت العرب تعرف طبيعة القرية من كلابها وطيورها ودوابها.

ويرى أرسطو أن الطغيان لا يعيش بالقوة وحدها ولكنه تنبع أساسا عندما تفقد الجماعة فضيلة الاعتدال والمسؤولية.


وفي التراث الإسلامي لم يكن التغيير متعلق بإزالة الحاكم وكذلك دعوة الأنبياء وأنما كان في الأساس مشروعا أخلاقيا وحضاريا يبدأ من الإنسان ثم الأسرة ثم العشيرة ثم المجال العام ولم يكن ليركز على التغيير السياسي لأن الملك إتاوة من الله وهو وحده من ينزعه.

وإذا تأملنا التاريخ سنجد أن الثورات التي تحركت في التاريخ سقطت وأسقطت وذهبت لغيرهم.

وهنا نجد أن القرآن نفسه يقرر قاعدة اجتماعية عميقة المعنى والأثر في النفس والمجتمع والبيئة

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

وهنا يتجلى بوضوح قانون العمران الذي يربط مصير الدولة بالبنية النفسية والثقافية للمجتمع.


و ابن تيمية ركز على نقد النظام الاجتماعي والأخلاق العامة معتبرا أن الظلم لا ينشأ من الحاكم وحده وإنما يبدأ فساده من فساد البيئة التي سمحت بإنتاجه وإعادة تدويره.

ولذلك قرر أن "الناس إذا فسدوا احتاجوا إلى سلطان قاهر"، أي أن الاستبداد أحيانا ليس سببا أوليا منشأه الحاكم وإنما هو نتيجة تاريخية لانهيار القيم العامة والتي تبدأ بفساد البطانة التي تحيط به إذ انها الحاكمة قبل حكمه .

إن المجتمع المنحط قيميا تجده مليئا بمسيلمة وعرقوب وابن أُبي وابن ملجم والأسود .

وهذا لا يستطيع أن يبني نظاما عادلا وإن طالب بالمدنية والديمقراطية أو الشورى أو العدالة.

وفي المقابل فإن الحاكم وحده إن كان صالحا قادرا على تربية المجتمعات بعدله وقوته وإرادته وما يصلحه التغيير الذاتي في المجتمع في عام يصلحه الحاكم في يوم .

أما أبو حامد الغزالي فقد تناول المسألة من زاوية أخلاقية أكثر عمقا إذ رأى أن خراب الأمم يبدأ بانفصال المعرفة عن التزكية والعقل عن الواقع..

ولذلك كان يخشى من العالم الفاسد أكثر من خوفه من الجاهل لأن فساد الوعي أخطر من فساد الجهل لأنه يمنح الانحراف شرعية فكرية وأخلاقية تنطلق من المساجد إلى الفوضى وما سقط عثمان وقتل علي واستبيح دم الحسين وقامت معارك الجمل وصفين إلا بتوظيف الشرعية الدينية للممارسات العسكرية والسياسية.

ومن هنا نفهم لماذا تفشل بعض مشاريع التغيير الحديثة لأنها تركز على تغيير شكل السلطة وتنسى تغيير ثقافة المجتمع.

فيتحول الثائر إلى مستبد جديد ويتحول المقهور إلى جلاد لئيم وتتحول البطانة الى نظام جديد.

إن المشكلة لم تكن في الأشخاص بقدر ما هي في البنية النفسية العميقة التي تعيد إنتاج الاستبداد بأسماء مختلفة.

وقد أشار ابن القيم الجوزية إلى معنى قريب عندما ربط بين الأعمال الظاهرة و نتائجها كانعكاس لخفايا القلوب وكما يقال الجزاء من جنس العمل والأعمال بالنوايا والخنزير لا ينجب حملا.

إن فساد السياسة عنده يبدأ من فساد الإرادة وفساد القضاء يبدأ من فساد الضمير وفساد المجتمع يبدأ من اعتياد المعصية الأخلاقية حتى تصبح طبيعة يومية لا تستنكر.

ولهذا فإن أعظم خداع مارسته بعض الأيديولوجيات الحديثة هو إقناع الشعوب بأن إسقاط النظام يكفي لبناء الحضارة.

بينما التاريخ يثبت أن الحضارات لا تبنى بالغضب الشعبي ولا باسقاط النظم وإنما بإعادة تشكيل الإنسان معرفيا وأخلاقيا وسلوكيا. فكم من ثورة بدأت بشعار الحرية وانتهت إلى صناعة طغيان أكثر قسوة وفوضى اجتماعية أكثر تدمبرا وأمن أكثر هشاسة وأخلاق أكثر سوءا لأن العقل الذي أدار الثورة كان يحمل في داخله بذور الاستبداد نفسها.

لقد فهم عبد الرحمن بن خلدون هذه الحقيقة مبكرا بربطه منهجيا بين قيام الدول وسقوطها بالعصبية والأخلاق والعمران ليس بمجرد القوة العسكرية.

فالدولة عنده كائن اجتماعي يولد من أخلاق الجماعة فإذا فسدت النفوس فسد العمران كله مهما كانت الشعارات دينية وقومية ووطنية.

إن تغيير النظام دون تغيير البنية يشبه تبديل واجهة بيت آيل للسقوط و قد يبدو المشهد جديدا لبعض الوقت لكن التشققات القديمة ستعود سريعا.

ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان أقصد من المدرسة ومن المسجد ومن الأسرة ومن الثقافة العامة ومن إعادة تعريف مفاهيم الأمانة والمسؤولية والصدق والواجب.

إم المجتمع الذي يطلب من الحاكم أن يكون نزيها بينما يغش بالميزان والوصف وينفق سلعته ومهنته بالحلف الكاذب هو مجتمع يريد نتائج جيدة دون مقدمات جيدة.

إن المجتمع الذي يلعن الفساد السياسي هو نفسه يمارس الفساد في حياته اليومية و يشارك في صناعة الانحطاط .

إن أخطر أنواع الفساد ليس فساد السلطة وإنما فساد الوعي الذي يجعل الناس يتعايشون مع التفاهة حتى يصبح الانحطاط سمة جينية.وعندها يكون الاستبداد نظام إلى ثقافة عامة تسكن اللغة والسلوك والعلاقات الاجتماعية.

ولهذا فإن التغيير الحق يحتاج إلى انتقال حضاري من عقلية الاستهلاك إلى عقلية البناء وومن أخلاق المصلحة إلى أخلاق المسؤولية ومن عبادة الشعارات إلى البحث عن الحقيقة.

فالأمم لا تنهض عندما تغير الحكام وإنما عندما تغير النوايا التي بداخلها .

هناك فرق جوهري بين النظام السيء واللانظام.

ففي دول الأزمات تنشط الحروب الأهلية والتقسيم والتدخل الأجنبي وهنا تصبح الشرعية القائمة مهما شابها من قصور أو استبداد هي الخيط الأخير الذي يمسك بالحد الأدنى من كيان الدولة.


إن التعامل الراشد مع الحاكم هنا يتطلب الكف عن محاولات النزع القسري للشرعية التي تؤدي إلى تفتيت المجتمعات والتحول نحو الاعتراف الوظيفي بالشرعية و هذا الاعتراف لا يعني التملق أو الرضا بالفساد وإنما يعني اتخاذ هذه الشرعية كدرع واق لحماية بيضة المجتمع من التحلل والتعامل مع الحاكم كشريك إجباري في مرحلة الانتقال أو الإنقاذ لأن بديل السلطة القائمة في لحظة الأزمة ليس الديمقراطية وإنما مراء الحرب والفوضى .

​كما يتطلب منا الانتقال من المغالبة السياسية إلى المشاركة والمناصحة المؤسسية.

إن الحاكم الشرعي في ظروف الأزمات غالبا ما يكون محاصرا ببطانة نفعية تعيد تدوير الفساد. والواجب هنا هو إيجاد قنوات مناصحة ومقترحات بديلة تتسم بالواقعية والعلمية بعيدا عن الشعارات الغوغائية.

كما أن الضغط على الحاكم يجب أن يكون ضغطا برامجيا بهدف إصلاح السياسات في لتعليم و القضاء و الاقتصاد اليومي وليس ضغطا وجوديا يهدد بقاءه.

فالحاكم المستشعر للخطر على كرسيه سيزداد طغيانا بينما الحاكم الذي يجد حلولا ومخارج حقيقية للأزمات تقدمها نخب وطنية ناصحة قد يتحول إلى أداة لإصلاح ما يفسده المجتمع في عام خلال يوم واحد .

ومن جهة اخرى فإن ​ تحييد الصراع السياسي بين المكونات والتركيز على جهاد البناء والوعي هو الرهان الحقيقي في دول الأزمات على الحاكم الذي يسمع بوعي وعلى المجتمع الذي يبحث عن وعي لإنقاذ ذاته بدلا من استنزاف الطاقات المجتمعية في معارك سياسية صفرية لإسقاط الحاكم القائم والتي تنتهي دائما بإنتاج مستبد جديد من نفس طينة المجتمع .

ومن هنا تبدأ التغييرات الكامنة بقبول الهدوء السياسي المؤقت تحت مظلة الشرعية القائمة واستغلال هذا الهامش لبناء الإنسان معرفيا وأخلاقيا وسلوكيا عبر إصلاح المدرسة وضبط ميزان السوق وإحياء أمانة الأسرة ومحاربة فساد الوعي والتعايش مع التفاهة.

إن هذا التغيير البطيء في بنية المجتمع سيجعل من المستحيل على السلطة أن تحكم بأدوات الاستبداد القديمة لأن البيئة نفسها لم تعد صالحة لإعادة تدويره.


​إن التعامل مع الحكام القائمين في دول الأزمات يجب أن يتخلص من أيديولوجيا الخلاص السريع والوهمي عبر إسقاط الرؤوس.

وأن الحكمة الحضارية تقتضي أن نتعامل مع شرعيتهم كأمر واقع يحقن الدماء ويحفظ الهيكل العام للدولة مع تحويل بوصلة الفعل التاريخي من تغيير الواجهات والأسماء في القصر، إلى تغيير النوايا والحقائق في أعماق النفس الإنسانية.

فالأمم لا ترتفع بإعدام حكامها وإنما بإحياء ضمائر شعوبها.

وعلى الحاكم الذي يريد أن يؤسس لحضارة أن يوسع قاعدة بياناته ويبني عليها قراراته الرشيدة بعلم الواقع والأصول والمتغيرات .