آخر تحديث :الثلاثاء-26 مايو 2026-01:37ص

بين تعز وعدن..كيف صاغ "باذيب" هويه النضال الوطني

الجمعة - 08 مايو 2026 - الساعة 09:23 م
نبيل احمد الرياشي

​انطلق إلى تعز عام 1958م بعد محاولة ملاحقته واعتقاله من قبل سلطات الاحتلال البريطاني في عدن، التي عمدت إلى القبض عليه ونفيه إلى حضرموت. كان يدرك حينها أن تعز هي الأقرب لمواصلة نضاله في تحرير أرض الجنوب، رغم كونها ترزح تحت حكم الأئمة كحال بقية مناطق الشمال. فمن تعز، بدأ في تأسيس مقر مكتب تحرير الجنوب اليمني، وبالوقت ذاته العمل على إصدار وسيلة إعلامية مقروءة تتبنى فكرته، أطلق عليها اسم "صحيفة الطليعة".

​لم يغب عنه المشهد في جنوب الوطن، كما ظل ينظر بحزن لواقع الحال الذي تعيشه مناطق الشمال القابعة تحت حكم الأئمة، لكنه فضل الصمت في بادئ الأمر تقديراً لظروف قدومه؛ فقد مُنح الإذن بالإقامة كونه مطلوباً للسلطات الاستعمارية، وصار لديه الصلاحية لمتابعة مشروعه من تعز. تلك المدينة التي غادرها عام 1962م عائداً بخفية إلى عدن، عقب وصول تقارير سرية إلى قصر الإمام أحمد تفيد بأن بقاءه قد يشكل خطورة على كيان الحكم، بالنظر إلى كونه يحمل أفكاراً تنادي بالتحرر من الظلم والعبودية والمطالبة بالحقوق والحريات. ولعل ذلك ما جعله يدخل لاحقاً في صدام مباشر مع السلطة الإمامية الحاكمة، أدى إلى اعتقاله وإخطاره بالمغادرة، خصوصاً بعد تنامي أعداد التنظيمات السرية للإطاحة بالحكم؛ وما هي إلا فترة وجيزة حتى تفجرت الثورة في شمال اليمن، وتلتها في العام التالي ثورة أكتوبر.

​المناضل الكبير والمفكر الوطني والأديب والسياسي عبدالله عبدالرزاق باذيب؛ كانت لديه فرص عدة للمغادرة خارج الوطن والعيش هنا أو هناك بسلام، لكنه أبى إلا حياة العزة؛ فالموت عنده في سبيل وطنه أقرب إليه من أن يرى شعبه يتجرع المعاناة والاضطهاد والظلم، وأهون لديه من أن يكون عميلاً خائناً أو مرتزقاً بائعاً لوطنه.

​ظل بشموخ يحمل مشروعه الوطني الكبير ويسعى لأجل تحقيقه، رغم ما تعرض له من قمع وتعسف، لم يثنهِ عن الاستمرار في المضي نحو المستقبل المنشود الذي يحفظ الكرامة ويصون العهد والمبدأ، ويعزز الهوية التلاحمية بين أبناء الشعب الواحد شمالاً وجنوباً؛ إيماناً منه بأن تجزئة البلاد وزرع الفتن وإثارة الكراهية ليست إلا أدوات رخيصة لن تجلب الخير، وسوف تثقل كاهل الوطن النازف ألماً وكمداً.

​فكان أول المكافحين والمناوئين لمصطلح "الجنوب العربي" الذي سعت بريطانيا لتداوله، لقناعته الكبيرة بأن اليمن أرضاً وإنساناً بلد واحد، وأن هذه النبرة ليست سوى "زرعة شيطانية" سوف تجلب المتاعب. كما كان حرصه مراراً على تعزيز الجانب التوعوي بين الناس لرفع مستوى ثقافتهم وفهمهم، وحثهم على عدم السير وفق المشاريع الهدامة.

​حتى إن خصومه في السلطة حينذاك، ممن عارضوا أفكاره التنويرية، اقتنعوا بأطروحاته مؤخراً قبل أن يتقيدوا بها، كما تم تنصيبه في مراكز حكومية رفيعة المستوى.​"لقد أثبت باذيب بمسيرته أن المناضل الحقيقي لا تحده الحدود الشطرية، وأن الهوية الوطنية تُصاغ بالمبادئ والمواقف قبل الجغرافيا."

فقد ظل قلبه الكبير، المتخم بالهم والجراح والحب، ينبض بالأمل والغد المشرق ويتسع للجميع دون ضيم أو حقد، حتى شاءت إرادة الله أن تتوقف دقات قلبه إثر نوبة قلبية مفاجئة عام 1976م.

( إلى الواعد باذيب )

​مشروع والدك الوطني، بلا شك، كان له الأثر الطيب في بروزك وتألقك في العمل الرسمي والسياسي؛ لأنك من نسل "باذيب" الراحل، ولك الفخر في ذلك. ولعلنا نذكر هنا زيارتك لتعز عام 2012م، والتي وصفتها حينها بأجمل الكلام، أثناء توليك حقيبة وزارة النقل في حكومة "باسندوة"، وأنت تحتفي مع أبناء تعز -بحضور الأستاذ شوقي هائل- بذكرى رحيل والدك رحمه الله.

​وكم كانت سعادة الحضور غامرة بقدومك إلى قاعة الاحتفال التي حملت اسم "معاً من أجل يمن حر ديمقراطي موحد"، وهو شعار والدك الراحل. وكذلك الاستماع إلى حديثك الطيب والعذب الذي أثلج الصدور، وكذا حرصكم واهتمامكم الشخصي والرسمي بمدينة تعز، وما شهدته بلادنا عموماً من قفزات ملموسة إبان فترة مهامكم في وزارة النقل، وخصوصاً في مجال الموانئ والمطارات وغيرها.

​فكم نحن بحاجة ماسه إلى تقارب الرؤى، وإن اختلفت الأهداف أو اختلطت الأوراق.

[email protected]