آخر تحديث :الأربعاء-08 أبريل 2026-11:35م

الجنوب بين نيران الأزمات وتحديات السيادة: معركة الوجود وخيارات المصير

الأحد - 09 فبراير 2025 - الساعة 06:44 م
فارس العزيبي

بقلم: فارس العزيبي
- ارشيف الكاتب


تشهد المحافظات الجنوبية الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي تصعيداً ممنهجاً للأزمات، بدءاً من تعطيل الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه، مروراً بانهيار القطاع الصحي، ووصولاً إلى ظهور تشكيلات عسكرية جديدة داخل النطاق الجغرافي للمجلس، تُقدَّم رسمياً كجزء من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة المركزية، لكنها تعمل عملياً على تقويض الهيمنة العسكرية للانتقالي. يتزامن هذا مع حملة إعلامية مكثفة تروج لشخصيات مثل سلطان العرادة كـ"منقذين"، في إطار مساعٍ لإعادة تشكيل التوازنات السياسية والعسكرية في الجنوب، تمهيداً لتنفيذ أجندات تتناقض مع مشروع استقلال الجنوب.


لم يعد انهيار الخدمات العامة في الجنوب مجرد نتيجة لتراكم الإهمال أو الأزمات الاقتصادية، بل تحول إلى أداة ضغط سياسية ممنهجة، تهدف إلى خلق حالة غضب شعبي ضد المجلس الانتقالي. فتعطيل الكهرباء المتكرر، وشح الوقود، وانهيار النظام الصحي، تزامنت مع تصريحات لمسؤولين يربطون تحسين الأوضاع بشرط الالتزام بالمركزية، في إشارة إلى صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون. هذا النهج يكشف محاولة تحميل المجلس الانتقالي فشلاً مُداراً من أطراف داخلية وخارجية، لدفع الجنوبيين إلى فقدان الثقة في قدرته على إدارة المنطقة، ما يفتح الباب لـ"بدائل" تُروَّج إعلامياً كحلول سحرية، بينما تخدم في الواقع إعادة إنتاج هيمنة القوى الإقليمية والدولية.


برز في الفترة الأخيرة تحدٍّ عسكري خطير، يتمثل في تشكيل قوات أمنية وعسكرية جديدة داخل مناطق سيطرة الانتقالي، تعمل بتمويل وتوجيهات من خارج الإطار الجنوبي. ورغم ادعاءات انتمائها للشرعية، فإن هذه القوات تتحرك كقوة موازية تهدد الوحدة العسكرية للجنوب، وتستعد لتحويل نفسها إلى أداة ضغط ضد المجلس الانتقالي عند الحاجة. يبدو أن الهدف من هذه الخطوة هو تفكيك البنية الأمنية الموحدة للانتقالي، وإعادة الجنوب إلى مربع الصراعات الداخلية التي تستنزف موارده، وتجعله ساحة مفتوحة للاختراق الخارجي، في محاولة لإعادة إنتاج النموذج المركزي الفاشل.


لا تقتصر التحديات التي تواجه المجلس الانتقالي على الضغوط الخارجية أو الأزمات الممنهجة، بل تمتد إلى سياسة الاستبعاد الداخلي التي تطال شخصيات جنوبية بارزة ساهمت في تشكيل هوية المشروع التحرري، مثل الشيخ هاني بن بريك، الذي كان يُعتبر أحد أبرز الوجوه العسكرية والسياسية المؤثرة في الساحة الجنوبية. يُلاحظ أن المجلس الانتقالي بدأ يتخلى تدريجياً عن بعض قياداته التاريخية تحت ذرائع "شروط التوافق" مع الشركاء في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والتي تُفرض من أطراف خارجية بهدف إعادة تشكيل القيادة الجنوبية وفق معايير تخدم المصالح الإقليمية والدولية أكثر من تطلعات الجنوبيين. هذا الاستبعاد لم يأتِ نتيجة خلافات داخلية فحسب، بل هو جزء من سياسة ممنهجة لتفريغ المشروع الجنوبي من رموزه الكاريزمية والقادرة على حشد التأييد الشعبي، واستبدالهم بوجوه أقل تأثيراً وخبرة، مما يُضعف القدرة على مواجهة المخططات الخارجية، ويفتح الباب أمام تغول الأجندات الدينية والمركزية على حساب الهوية الجنوبية. غياب مثل هذه الشخصيات عن المشهد يُضعف الرواية الموحدة للمجلس الانتقالي، ويُفقد الجنوب جزءاً من رصيده النضالي الذي كان قائماً على الوحدة الداخلية في مواجهة التحديات، لصالح صراعات جانبية تستنزف طاقته وتُسهل اختراقه.


في ظل هذه التحديات، لم يعد أمام الجنوب ترف الانتظار أو الاكتفاء بردود الأفعال، بل باتت هناك خيارات مصيرية يجب على المجلس الانتقالي الجنوبي تبنيها لمواجهة المخططات التي تستهدف الجنوب. قد يكون الخيار الأكثر واقعية هو إعادة فرض الإدارة الذاتية على المحافظات الجنوبية، في ظل استمرار العرقلة المركزية، بحيث يتولى المجلس الانتقالي إدارة الجنوب مباشرة بعيداً عن نفوذ الأطراف التي تعمل على تقويض استقراره، ويستلزم هذا الخيار وضع آليات تنفيذية واضحة تعزز من سيطرة المجلس على الموارد والقرار السياسي، وتحول الجنوب إلى كيان مستقل فعلياً، قادر على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.


في حال تصاعد الاستهداف السياسي والعسكري، يمكن للمجلس الانتقالي اتخاذ خطوة أكثر جرأة، عبر تشكيل حكومة جنوبية انتقالية، تتولى إدارة الجنوب بشكل مستقل، وتؤسس لإجراء استفتاء على تقرير المصير، ما يعزز المسار السياسي نحو استعادة الدولة الجنوبية، ويتطلب هذا الخيار تواصلاً مباشراً مع القوى الدولية والإقليمية للحصول على اعتراف ودعم لمشروع إدارة الجنوب سياسياً وعسكرياً.

مع استمرار تفريخ التشكيلات العسكرية الموازية، قد يصبح تشكيل مجلس عسكري جنوبي خطوة ضرورية لحماية الجنوب من الفوضى الأمنية، والحفاظ على وحدة القوات المسلحة الجنوبية تحت قيادة موحدة، وسيسهم هذا المجلس في إحكام السيطرة الأمنية على الجنوب، وضبط أي تحركات مشبوهة تهدف لخلق الفوضى، ومواجهة محاولات تفكيك الجيش الجنوبي عبر تشكيلات مدعومة خارجياً.


لم يعد الوضع في الجنوب يحتمل المواقف الرمادية، فإما أن يتخذ المجلس الانتقالي خطوات جريئة لحماية المشروع الجنوبي، وإما أن يسمح للقوى المعادية بإعادة الجنوب إلى مربع الصراعات والتبعية. المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل هي معركة وجودية، ستحدد ما إذا كان الجنوب قادراً على انتزاع حقه في تقرير مصيره، أو أنه سيعود ليكون ورقة تفاوض في صراعات القوى الإقليمية والدولية.


#فارس_العزيبي