آخر تحديث :الأربعاء-08 أبريل 2026-11:35م

روسيا وسوريا .. سقوط النظام السوري ومستقبل النفوذ الروسي في الشرق الأوسط

الإثنين - 09 ديسمبر 2024 - الساعة 09:32 م
فارس العزيبي

بقلم: فارس العزيبي
- ارشيف الكاتب



منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، لعبت روسيا دورًا محوريًا في دعم النظام السوري، مما أعادها إلى واجهة الأحداث الدولية كقوة مؤثرة في الشرق الأوسط. إلا أن التطورات الأخيرة، التي شهدت سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل النفوذ الروسي في المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بقاعدة طرطوس البحرية، المنفذ البحري الوحيد لروسيا على البحر الأبيض المتوسط.


لطالما اعتُبرت قاعدة طرطوس رمزًا رئيسيًا للنفوذ الروسي في البحر الأبيض المتوسط. هذه القاعدة، التي أنشئت خلال الحقبة السوفيتية، مثلت عنصرًا أساسيًا في استراتيجية روسيا لتعزيز حضورها خارج حدودها. وقد زادت أهميتها بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015، حيث أصبحت قاعدة لوجستية وعسكرية تدعم العمليات الروسية في المنطقة.


تكمن أهمية القاعدة بالنسبة لروسيا في الوجود العسكري الدائم لها في الشرق الأوسط، وهي نقطة ارتكاز للسفن والغواصات الروسية، مما يضمن تواجدًا عسكريًا مستمرًا في شرق المتوسط.

كما تقع القاعدة بالقرب من ممرات التجارة والطاقة الحيوية، ما يعزز قدرة روسيا على مراقبة والتحكم في حركة النقل البحري في المنطقة. ووجود القاعدة مكّن روسيا من لعب دور مؤثر في ملفات الشرق الأوسط، بما في ذلك الصراعات في سوريا وليبيا والتوترات مع الغرب.


مع سقوط نظام الأسد، يبدو أن روسيا قد خسرت موطئ قدمها الرئيسي في البحر الأبيض المتوسط. السؤال المحوري هنا: كيف ستتعامل موسكو مع هذه الخسارة؟ وهل ستتمكن من إيجاد بدائل للحفاظ على نفوذها في المنطقة؟


الموقع الجغرافي لروسيا يفرض عليها تحديات كبيرة للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط. تعتمد روسيا على موانئها في البحر الأسود، مثل نوفوروسيسك وسيفاستوبول (في شبه جزيرة القرم)، التي توفر مسارًا بحريًا عبر مضيق البوسفور الرابط بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ومضيق الدردنيل ،الذي يربط بحر مرمرة بالبحر الأبيض المتوسط.


هذه الممرات تقع تحت السيطرة التركية، وتخضع لاتفاقية مونترو لعام 1936، التي تنظم حركة السفن الحربية والتجارية. أي توتر مع تركيا قد يعوق حركة السفن الروسية، مما يجعل الاعتماد على هذا المسار محفوفًا بالمخاطر.


التخلي عن النظام السوري في هذا التوقيت يثير شكوكًا حول دوافع روسيا الحقيقية. هل يشير ذلك إلى ضعف داخلي واستنزاف لقدراتها، أم أن هناك صفقة غير معلنة مع الغرب؟


إشارات ضعف روسيا قد تتلخص في نقطتين وهي:

الحرب في أوكرانيا التي استنزفت موارد روسيا بشكل كبير، مما حد من قدرتها على إدارة جبهات متعددة.

والعقوبات الاقتصادية الغربية قللت من مرونة الاقتصاد الروسي وأضعفت قدرته على دعم عمليات عسكرية خارجية.


على الوجه الأخر، يمكن فرض بعض الاحتمالات على وجود صفقة بين روسيا والغرب، أساسها تخلي روسيا عن تدخلها العسكري في سوريا كجزءًا من تفاهماتها مع الغرب.

ربما اتفقت روسيا على تقليص وجودها في الشرق الأوسط مقابل تخفيف الضغوط الغربية في ملف أوكرانيا، مثل تقليل الدعم العسكري الغربي لكييف.


خسارة قاعدة طرطوس تعني أن روسيا تفقد أحد أهم مواقعها الاستراتيجية خارج حدودها. هذا التطور سيؤثر على عدة مستويات:

1. إضعاف الدور الروسي في الشرق الأوسط: مع خروج روسيا من سوريا، ستسعى قوى إقليمية مثل إيران وتركيا وحتى الولايات المتحدة إلى ملء الفراغ.

2. زيادة العزلة الدولية: خسارة طرطوس تعني تقليص النفوذ الروسي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، مما سيؤثر على مكانتها كقوة عالمية.

3. التأثير على التوازنات الجيوسياسية: قد يؤدي انسحاب روسيا من المنطقة إلى إعادة تشكيل التحالفات، مما يزيد من التعقيدات في الشرق الأوسط.


روسيا أمام اختبار صعب، فخسارة النظام السوري وقاعدة طرطوس تمثل لحظة حاسمة لروسيا. تجد موسكو نفسها أمام اختبار وجودي: هل ستتمكن من إعادة ترتيب أوراقها للحفاظ على مكانتها كقوة عظمى، أم أنها ستنكمش على نفسها وتكتفي بحماية حدودها الجغرافية؟


بين الضغوط الغربية وتداعيات الحرب الأوكرانية، يبقى المشهد ضبابيًا. لكن المؤكد هو أن سقوط النظام السوري سيترك أثرًا عميقًا على الاستراتيجية الروسية وعلى التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والعالم.


#فارس_العزيبي