آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-08:18م
أدب وثقافة

من كتاب العلامة طاهر مصطفى ومسيرة اصلاح النيابة العامة

الخميس - 22 أكتوبر 2026 - 07:11 م بتوقيت عدن
من كتاب العلامة طاهر مصطفى ومسيرة اصلاح النيابة العامة
المصدر: بقلم: المستشار الباحث مختار راجح

القاضي قاهر مصطفى


# مسيرة إصلاح النيابة العامة في اليمن


# دراسة أدبية توثيقية تحليلية في الشخصية القضائية والرسالة الوطنية وتحديات العدالة في زمن الحرب


إعداد وبحث: المستشار والباحث مختار راجح


# المبحث الحادي عشر


# النيابة العامة وحقوق الإنسان — حين تقف سلطة القانون حارسةً لكرامة الإنسان


# المطلب الأول: قرينة البراءة؛ ذلك الحصن الذي لا يجوز أن تهدمه الشبهة


ثمة حقيقة ينبغي أن تظل حاضرةً في ضمير كل من يتولى مسؤولية العدالة: أن الإنسان قد يُتهم، لكنه لا يفقد إنسانيته؛ وقد يُشتبه فيه، لكنه لا يفقد حقه في الحماية القانونية؛ وقد تقوده الوقائع إلى دائرة التحقيق، لكنه لا يصبح مذنبًا لمجرد أنه وقف أمام سلطة الاتهام.


إن قرينة البراءة ليست عبارةً تتصدر صفحات القوانين ثم تغيب عند أبواب السجون، وليست مبدأً نظريًا يُستدعى في المحاضرات ويُنسى عند اشتداد الخصومات؛ إنها ضمانة جوهرية تضبط علاقة الدولة بالفرد، وتضع حدًّا فاصلًا بين الاشتباه والإدانة، وبين سلطة التحقيق وسلطة الحكم، وبين ما يعتقده الناس وما تثبته الأدلة.


فكم من اتهامٍ ارتفع صوته قبل أن تتكلم الحقيقة، وكم من إنسانٍ أرهقته نظرات الشك قبل أن يُمنح فرصة الدفاع، وكم من واقعةٍ بدت مكتملةً في ظاهرها، ثم كشفت التحقيقات أن الحقيقة كانت تسير في طريق آخر.


ومن أجل ذلك، لا يجوز أن تكون الشبهة حكمًا، ولا أن يتحول الاتهام إلى وصمة اجتماعية تسبق القضاء، ولا أن تُستبدل قوة الدليل بقوة الانطباع. فالعدالة لا تسأل عن مقدار الضجيج الذي أحاط بالواقعة، بل عن مقدار ما يثبته الدليل منها، ولا تنحاز إلى من أحسن عرض روايته، بل إلى من تؤيد الأدلة دعواه في حدود القانون.


إن النيابة العامة، بحكم وظيفتها، مطالبة بأن تتعامل مع الوقائع بموضوعية، وأن تجمع ما يكشف الحقيقة، سواء أكان في مصلحة الاتهام أم في مصلحة المتهم، وألا تجعل من التحقيق طريقًا أحادي الاتجاه لا يبحث إلا عما يؤيد الاشتباه الأول.


وهنا تظهر دقة المسؤولية القضائية؛ لأن المحقق الذي يبحث عن إدانةٍ بأي ثمن قد يغفل ما ينقض استنتاجه، أما المحقق الذي يبحث عن الحقيقة، فيظل مستعدًا لمراجعة فرضياته متى ظهرت أدلة جديدة.


وفي تقديري، فإن قيمة القيادة القضائية لا تتجلى في قدرتها على إظهار الحزم وحده، بل في قدرتها على ترسيخ هذا الفهم داخل المؤسسة: أن صيانة قرينة البراءة لا تعني التساهل مع الجريمة، وإنما تعني أن تكون مكافحة الجريمة قائمةً على أساس قانوني متين، وأن تبقى حقوق الإنسان جزءًا من العدالة، لا عقبةً في طريقها.


وأقول في هذا:


لا تحكموا قبلَ الدليلِ فإنما


حكمُ الظنونِ يجرُّ ظلمًا مُوجعَا


كم من بريءٍ ضاقَ صدرُ زمانِهِ


حتى أتى وجهُ الحقيقةِ ساطعَا


فالعدلُ أن نمضي وراءَ حقيقةٍ


لا أن نُساقَ مع الصياحِ ونَخضعَا


# المطلب الثاني: الحرية الشخصية؛ حين تصبح دقيقة واحدة من العمر قضيةً إنسانية


الحرية ليست كلمةً مجردةً في كتاب القانون؛ إنها حركة الإنسان في حياته، وطمأنينته بين أهله، وقدرته على العمل، ورعايته لأطفاله، ووجوده إلى جوار والديه، ومشاركته اليومية في تفاصيل الحياة التي لا ينتبه إلى قيمتها إلا حين يُحرم منها.


ولذلك فإن تقييد الحرية ليس إجراءً عاديًا يمكن التعامل معه باستخفاف، بل تدبير خطير تحكمه قواعد قانونية دقيقة، لأن أثره لا يقف عند الشخص المحتجز، وإنما يمتد إلى أسرته وعمله ومحيطه الاجتماعي، وقد يترك آثارًا يصعب تداركها حتى بعد انتهاء الإجراء.


وقد يكون وراء باب السجن إنسانٌ ينتظر استكمال التحقيق، أو متهمٌ لم تُحسم مسؤوليته، أو شخصٌ يطعن في مشروعية احتجازه، أو صاحب حقٍّ يرجو أن تُفحص شكواه وفق القانون. وفي كل حالة، لا يجوز أن تحل العاطفة محل المستندات، كما لا يجوز أن تُهمل المستندات لمجرد أن القضية أصبحت مألوفةً في روتين العمل اليومي.


إن السؤال عن سند الحبس ومدته والجهة التي أصدرته ليس تشكيكًا في المؤسسة، بل هو من مقتضيات عملها القانوني. ومراجعة مشروعية استمرار الاحتجاز ليست إضعافًا للسلطة، بل ضمانة تمنع تحول الإجراء المؤقت إلى حرمان غير مشروع من الحرية.


ومن هنا تبرز أهمية انتظام مراجعة أوامر الحبس والتمديد، والتحقق من توافر شروطها، ومتابعة التصرف في القضايا ضمن الآجال التي يقررها القانون، والاستجابة للشكاوى الجدية المتعلقة بالاحتجاز، واتخاذ القرار الذي تفرضه الوقائع والأحكام النافذة.


ولا بد من التمييز بين الحالات؛ فليس كل احتجاز غير مشروع، وليس كل تأخير دليلًا على التعسف، كما لا يجوز افتراض مشروعية كل إجراء لمجرد صدوره عن جهة رسمية. إن الفيصل هو السند القانوني، وسلامة الاختصاص، واستيفاء الشروط، واحترام المدد والإجراءات.


وإذا كان المنصب القيادي يمنح صاحبه قدرةً على توجيه العمل ومتابعته في الحدود المقررة، فإنه يضع أمامه أيضًا مسؤولية التأكد من أن الإجراءات التي تمس الحرية لا تُترك بلا مراجعة، وأن الشكاوى التي تتعلق بها لا تُعامل بوصفها عبئًا إداريًا، بل مسائل تستوجب الفحص الجاد.


وأنا أرى أن ميزان العدالة يُختبر في هذه المسائل على نحو بالغ الحساسية؛ لأن الإنسان الذي فقد حريته لا يحتاج إلى خطاب طويل بقدر حاجته إلى إجراء قانوني صحيح، وقرار معلل، ومسار واضح يصل به إلى الجهة المختصة.


وأقول في هذا:


وراءَ الأبوابِ قلبُ أمٍّ خائفٌ


وعيونُ طفلٍ لا ينامُ قريرَا


ورجالُ حقٍّ ينتظرونَ جوابَهمْ


كي لا يصيرَ الصمتُ حكمًا عسيرَا


فإذا سألنا عن سندٍ وموعدٍ


فلسنا نُعادي العدلَ، بل نرجوهُ نورَا


# المطلب الثالث: كرامة المحتجز؛ القانون الذي يدخل إلى السجن


إن احترام كرامة الإنسان لا يتوقف عند حدود المحكمة أو قاعة التحقيق؛ بل يجب أن يصاحب الإجراءات في كل مراحلها، بما فيها الاحتجاز، وفق القانون والضوابط التي تحكم معاملة المحتجزين.


فالشخص الذي يُحرم من حريته لا يفقد حقه في المعاملة الإنسانية، ولا يجوز أن يصبح احتجازه سببًا للإهانة أو الإهمال أو الانتقام. كما أن ظروف الاحتجاز والرعاية الصحية والاتصال بالجهات المسموح بها قانونًا ليست تفاصيل هامشية؛ فقد تمس سلامة الإنسان الجسدية والنفسية، وقد تتصل مباشرةً بقدرته على ممارسة حقوقه القانونية.


وتزداد حساسية هذه المسائل عندما يكون المحتجز مريضًا، أو يحتاج إلى علاج عاجل، أو يعاني من حالة صحية تتطلب متابعةً مستمرة. ففي هذه الحالات ينبغي أن تُتخذ التدابير اللازمة وفق القانون، وبالتنسيق مع الجهات المختصة، مع توثيق ما يستدعي التوثيق، وعدم ترك الاحتياجات الصحية رهينة التأخير أو الإهمال.


ولا يعني ذلك أن كل ادعاء صحي يثبت وحده وجود مخالفة، بل إن كل حالة ينبغي فحصها على أساس التقارير الطبية والمستندات والظروف الفعلية، مع اتخاذ الإجراءات التي تقتضيها الحالة في حدود الاختصاص.


إن الدولة التي تحترم القانون لا تقيس هيبتها بمدى قسوة ظروف الاحتجاز، بل بقدرتها على إنفاذ أحكامه مع حماية كرامة الإنسان. فالسجن، مهما كانت أسبابه القانونية، لا يجوز أن يتحول إلى مساحةٍ خارج القانون، ولا أن يصبح الاحتجاز فيه حرمانًا من الحقوق التي لم يسقطها القانون.


وفي هذا المجال، تتكامل مسؤولية الجهات القائمة على إدارة أماكن الاحتجاز مع مسؤوليات الجهات القضائية والنيابية كلٌّ في نطاق اختصاصه. ويقتضي التكامل وضوحًا في المسؤوليات، وسرعةً في معالجة الشكاوى، ومراجعةً للمخالفات متى ظهرت مؤشرات جدية عليها.


وأقول في هذا:


ليسَ السجينُ بقايا إنسانِنا


ولا الضعيفُ يضيعُ في الميزانِ


إن الحقوقَ إذا غابتْ عن السجونِ


غابتْ مهابةُ دولةِ القانونِ


فارحمْ ضعفَ من ضاقتْ بهِ أيامُهُ


واجعلْ من العدلِ بابَ اطمئنانِ


# المبحث الثاني عشر


# التحقيق العادل — البحث عن الحقيقة لا صناعة الاتهام


# المطلب الأول: التحقيق مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون إجراءً قانونيًا


قد يظن بعض الناس أن التحقيق يبدأ حين تُفتح محاضر الأقوال، وينتهي حين تُجمع الأوراق وتُتخذ بشأنها الإجراءات؛ غير أن التحقيق في حقيقته أعمق من ذلك. إنه عملية عقلية وقانونية تبحث عن الواقعة في تفاصيلها، وتفصل بين ما حدث فعلًا وما يُظن أنه حدث، وتختبر الروايات في ضوء الأدلة، وتكشف التناقضات دون أن تتعجل تحويلها إلى أحكام.


والتحقيق الجيد لا يبدأ بافتراض أن شخصًا بعينه مذنب، ثم يسعى إلى جمع ما يؤيد هذا الافتراض؛ بل يبدأ بسؤال مفتوح عن الحقيقة، ويضع الفرضيات المختلفة أمام الفحص، ويمنح كل دليل قيمته بحسب مصدره وسلامته وصلته بالواقعة.


إن أخطر ما قد يصيب التحقيق أن يتحول من وسيلة للوصول إلى الحقيقة إلى وسيلة لتثبيت قناعة سابقة. ففي هذه الحالة، قد يُفسر كل دليل بما يخدم الفرضية الأولى، وتُهمَل القرائن المناقضة، وتتحول الشهادة المترددة إلى يقين مصطنع، ويُعامل التناقض كأنه دليل إدانة في ذاته، مع أنه قد يكون سببًا يستوجب مزيدًا من التحقق.


ولهذا فإن التحقيق العادل يتطلب التثبت، ومواجهة الأدلة بعضها ببعض، وفحص التناقضات، والتحقق من سلامة الإجراءات، وإتاحة الضمانات القانونية، والتمييز بين الاعتراف والدليل المستقل الذي يؤيده، وبين القرينة التي تبرر مواصلة البحث والدليل الذي يمكن أن يستند إليه القرار وفق القانون.


ولا تعني الموضوعية إغفال خطورة الجريمة أو تجاهل معاناة المجني عليه؛ بل تعني أن الوصول إلى العدالة يحتاج إلى حماية الحقيقة من التسرع، لأن الخطأ في التحقيق قد يضر بالمجني عليه، ويظلم المتهم، ويضعف القضية، ويترك الجريمة الحقيقية دون معالجة سليمة.


إنني أرى أن قيمة المحقق لا تُقاس بقدرته على انتزاع إجابة، وإنما بقدرته على اختبارها؛ ولا بمدى سرعة تكوين القناعة، بل بمدى استعدادها للمراجعة حين يظهر ما يستدعي ذلك.


وأقول في هذا:


يا طالبَ الحقِّ، تمهّلْ إنما


وجهُ الحقيقةِ لا يُرى بعجالةِ


زنْ كلَّ قولٍ بالقرائنِ واعتبرْ


ما بينَ ظاهرِها وخلفِ المقالةِ


فالعدلُ ليسَ انتصارَ طرفٍ على


طرفٍ، ولكنْ كشفُ سرِّ الواقعةِ


# المطلب الثاني: الشهادة والاعتراف والقرائن؛ لكل دليلٍ منزلته


إن الأدلة ليست سواءً في طبيعتها ولا في قوتها، ولا يجوز التعامل معها كما لو كانت وحداتٍ متطابقةً في الدلالة. فالشهادة تتصل بقدرة الشاهد على الإدراك والتذكر والتعبير، والاعتراف يخضع لشروطه وضماناته القانونية، والقرائن تحتاج إلى تقدير في ضوء بقية عناصر الدعوى، أما الأدلة الفنية فتتطلب فهمًا لطبيعتها وحدودها.


وقد تكون الشهادة صادقةً في أصلها، لكنها تتضمن خطأً في التوقيت أو المكان. وقد يتذكر الشاهد بعض الوقائع وينسى بعضها. وقد يتأثر إدراكه بالمسافة أو الإضاءة أو سرعة الحدث. لذلك لا يصح أن تُعامل كل جزئية في أقواله على أنها يقين مستقل، كما لا يصح إسقاط شهادته كاملةً لمجرد وجود اختلاف جزئي لا يمس جوهر الواقعة.


أما الاعتراف، فعلى أهميته في بعض القضايا، لا يجوز أن يُنتزع بالإكراه أو التهديد أو المعاملة غير المشروعة. ويجب فحص ظروف صدوره، ومدى استيفاء الضمانات القانونية، واتساق مضمونه مع الوقائع والأدلة الأخرى، وفق القواعد التي تحكم الإثبات في النظام القانوني المختص.


والقرائن بدورها قد تتكامل حتى تنتج دلالةً قوية، لكنها تحتاج إلى تقدير موضوعي يراعي احتمال التفسير البديل. فلا ينبغي عزل قرينة عن سياقها، أو تحميلها ما لا تحتمل، أو تحويل الشك إلى يقين لمجرد تعدد الافتراضات.


وفي كل ذلك، ينبغي أن يكون معيار التقدير هو القانون، وأن يُراعى اختلاف قواعد الإثبات بين المواد الجزائية والمدنية وغيرها، وألا تُنقل قاعدة من مجال إلى آخر دون سند قانوني.


إن الدقة في تقدير الأدلة ليست ترفًا أكاديميًا؛ بل هي صميم العدالة. فالدليل الذي يُفهم على غير حقيقته قد يقود إلى قرار خاطئ، والدليل الذي يُهمل دون مسوغ قد يترك الحقيقة ناقصةً، أما الدليل الذي يوضع في موضعه الصحيح فيسهم في بناء قرار أقرب إلى الصواب.


وأقول في هذا:


ما كلُّ صوتٍ في الخصومةِ شاهدٌ


ما كلُّ قولٍ في المحاضرِ برهانُ


إن الدليلَ إذا استقامَ مقامُهُ


أهدى العقولَ، وأبطلَ البهتانُ


فاجمعْ شتاتَ القولِ، واختبرِ المدى


فالحقُّ لا يعلو بهِ النسيانُ


# المطلب الثالث: تسبيب القرار؛ حين تتكلم الأسباب نيابةً عن السلطة


إن القرار القانوني لا يكتسب قوته المشروعة من اسم الجهة التي أصدرته وحده، بل من اختصاصها، وسلامة إجراءاته، واتفاقه مع القانون، وارتكازه إلى أسباب يمكن فهمها ومراجعتها بالطرق المقررة.


وتسبيب القرار، حيث يوجبه القانون أو تقتضيه طبيعة الإجراء، ليس مجرد صياغة شكلية؛ بل هو وسيلة لإظهار المسار الذي سلكه التفكير القانوني، وبيان الوقائع التي اعتُمدت، والأدلة التي رُجحت، والقواعد التي طُبقت.


فالقرار المسبب يساعد صاحبه على مراجعة منطقه، ويتيح للجهات المختصة فحصه، ويمنح الأطراف فهمًا أوضح للأساس الذي بُني عليه. كما يحد من خطر القرارات الاعتباطية، ويعزز ثقافة المسؤولية داخل المؤسسة.


ولا يعني التسبيب أن يكون القرار طويلًا أو مثقلًا بالعبارات؛ فقد يكون الإيجاز المنضبط أكثر دقةً من الإسهاب، بشرط أن يكشف الأسباب الجوهرية، وأن يربط الوقائع بالقانون، وألا يترك المسائل الحاسمة دون معالجة.


وفي المقابل، فإن كثرة النصوص المستشهد بها لا تعوض غياب الصلة بين النص والواقعة، كما أن استخدام عبارات عامة مثل «لثبوت الاتهام» أو «لعدم كفاية الأدلة» قد لا يحقق الغاية من التسبيب إذا لم يوضح السياق ما يتطلبه القانون من بيان.


ومن هنا فإن تطوير جودة القرارات ينبغي أن يكون جزءًا من التأهيل المهني، عبر التدريب على تحليل الوقائع، وترتيب الأدلة، وصياغة الأسباب، والتمييز بين المسائل الجوهرية والثانوية، مع مراعاة طبيعة كل قرار ومتطلبات القانون بشأنه.


وأقول في هذا:


إذا نطقَ الحكمُ استبانَ طريقُهُ


وتكشّفَتْ للناسِ أسبابُ القرارِ


فالسلطةُ العادلةُ التي تشرحُ الذي


قضتْ بهِ، تحمي الحقيقةَ من غبارِ


أما القرارُ إذا خلا من حجةٍ


فكأنّهُ بابٌ موصدٌ في النهارِ


# المبحث الثالث عشر


# النائب العام بين القيادة والإدارة — بناء الرجال وصيانة المؤسسة


# المطلب الأول: القيادة القضائية ليست سلطة أمرٍ فحسب


تحتاج المؤسسات القضائية إلى قيادة تعرف أن الإدارة ليست إصدارًا للتوجيهات وحدها، وأن هيبة المسؤول لا تُقاس بقدرته على فرض الصمت، بل بقدرته على تنظيم العمل، وتحديد الأولويات، وتحفيز الكفاءة، وتصحيح الخلل، وبناء بيئة مهنية يشعر فيها كل فرد بأن مسؤوليته واضحة وأن أداءه يخضع لمعيار منصف.


إن النيابة العامة تضم أعمالًا متعددة، من التحقيق إلى إعداد القرارات ومتابعة القضايا وإدارة السجلات والتنسيق مع الجهات ذات الصلة. وتحتاج هذه الأعمال إلى توزيع متوازن للموارد، وإلى وضوح في خطوط المسؤولية، وإلى متابعة مستمرة تكتشف التأخير قبل أن يتحول إلى تراكم يصعب معالجته.


والقيادة الفاعلة لا تعني أن يتدخل المسؤول في كل تفصيل، بل أن يبني نظامًا يجعل العمل منظمًا حتى في غيابه، وأن يضع قواعد واضحة لاتخاذ القرارات، وأن يختار أصحاب الكفاءة للمسؤوليات المناسبة، وأن يوفر التدريب والموارد حيث تشتد الحاجة إليهما.


كما أن القيادة لا تكتمل بمتابعة الأداء وحده؛ بل تتطلب الاستماع إلى العاملين الذين يواجهون الصعوبات اليومية، وفهم المعوقات التي لا تظهر في التقارير المختصرة، وتمييز التقصير الفردي من الخلل الذي تسببه الإجراءات أو نقص الإمكانات.


وفي المقابل، فإن التعاطف مع ظروف العمل لا يعني إعفاء الجميع من المساءلة. فالإنصاف الإداري يقتضي أن يُحاسب المقصر على ما ثبت من تقصيره، وأن يُدعم المجتهد، وأن تُعالج أوجه القصور التي لا يستطيع الفرد تجاوزها بمفرده.


وعند دراسة تجربة القاضي قاهر مصطفى في قيادة النيابة العامة، فإن هذه المعايير تتيح بحثًا أكثر عمقًا من الاكتفاء بوصف المنصب أو تعداد المحطات الوظيفية؛ إذ يمكن من خلالها فحص كيفية إدارة المؤسسة، ومدى وضوح الأولويات، وما تثبته الوثائق من إجراءات تطويرية، وما تكشفه البيانات عن نتائجها.


وأقول في هذا:


قُدْ بالعدلِ، لا بالخوفِ الذي


يُخفي العيوبَ ويستبيحُ سكوتَها


وابنِ الرجالَ على الكفاءةِ والنهى


واجعلْ من الأخلاقِ سرَّ ثباتِها


فالمؤسسةُ التي تُربّى على الهدى


تبقى إذا غابتْ يدٌ عن ذاتِها


# المطلب الثاني: الكفاءة القضائية؛ العلم الذي لا يتوقف عند الشهادة


إن الشهادة القانونية بداية الطريق، وليست نهايته. فالممارسة القضائية تتطلب تعلمًا مستمرًا، وقدرةً على قراءة النصوص في سياقها، وفهم المبادئ القانونية، ومتابعة التعديلات التشريعية، واستيعاب التطورات التي تمس وسائل الإثبات وأنماط الجريمة.


وكلما ازدادت القضايا تعقيدًا، ازدادت الحاجة إلى التخصص. فالقضايا المالية تحتاج إلى معرفة بطبيعة المستندات والحسابات، والجرائم الرقمية تحتاج إلى فهم فني، والقضايا ذات الوقائع المتشابكة تحتاج إلى مهارة في تنظيم الأدلة وربطها، بينما تتطلب القضايا التي تمس الحرية الشخصية دقةً في تطبيق الضمانات والإجراءات.


ولا يعني التخصص أن يتحول عضو النيابة إلى خبير في كل مجال، بل أن يعرف حدود معرفته، وأن يستعين بالخبرة المختصة عند الحاجة، وأن يطرح الأسئلة القانونية الصحيحة، وأن يميز بين النتيجة الفنية والاستنتاج القانوني.


كما أن تطوير الكفاءة لا يقتصر على المعرفة النظرية؛ بل يشمل الصياغة القانونية، وإدارة الوقت، والتواصل المهني، وحفظ الملفات، والتعامل مع أطراف القضية باحترام، والقدرة على اتخاذ القرار في ضوء المعلومات المتاحة دون تسرع أو تردد غير مبرر.


ومن هنا فإن أي مشروع جاد لتطوير النيابة العامة ينبغي أن يجعل التدريب جزءًا من نظام العمل، لا نشاطًا موسميًا منفصلًا عنه. كما ينبغي أن يربط التدريب بالحاجات الفعلية، وأن يقيس أثره على الأداء، وأن يتيح تبادل الخبرات بين أصحاب التجارب المختلفة.


وأقول في هذا:


العلمُ لا يرضى لنفسِكَ وقفةً


ما دامَ في دربِ الحقيقةِ مطلبُ


والقانونُ بحرٌ، كلما أبحرتَ في


أمواجِهِ اتسعَ الفهمُ الأرحبُ


فاجعلْ من التعلّمِ المستمرِّ مركبًا


فالعقلُ بالاجتهادِ يسمو ويقربُ


# المطلب الثالث: النزاهة الشخصية وأخلاق الوظيفة


إن الكفاءة دون نزاهة قد تتحول إلى أداةٍ للضرر، كما أن النزاهة دون كفاءة قد تعجز عن تحقيق الغاية المنشودة. ولهذا تحتاج المسؤولية القضائية إلى اجتماع العلم والاستقامة والموضوعية والقدرة على ضبط النفس.


وتبدأ النزاهة من احترام حدود الاختصاص، وتجنب تضارب المصالح، والمحافظة على سرية المعلومات، وعدم استغلال المنصب لتحقيق منفعة خاصة، والتعامل المتساوي مع أصحاب المصالح، والابتعاد عن كل ما قد يؤثر في حياد الإجراء أو يثير شكًا مشروعًا في نزاهته.


كما تتطلب النزاهة شجاعةً مهنيةً في الاعتراف بالخطأ وتصحيحه وفق القانون، لأن الإصرار على قرار غير سليم لا يصنع هيبةً حقيقية. إن المسؤول الذي يصحح الخطأ عند ثبوته يحمي المؤسسة من تكراره، ويعزز ثقافة التعلم والمراجعة.


ولا يجوز أن يُفهم الحديث عن النزاهة على أنه اتهام لشخص بعينه؛ فهذه معايير عامة ينبغي أن تُطبق على كل من يتولى مسؤولية عامة. أما نسبة مخالفة محددة إلى أي مسؤول، فتحتاج إلى وقائع ثابتة وإجراءات قانونية تضمن الإنصاف.


إن الأخلاق المهنية لا تظهر في البيانات الرسمية وحدها، بل في التفاصيل الصغيرة: طريقة استقبال الشكوى، واحترام المتقاضي، وحفظ سرية القضية، والامتناع عن استغلال ضعف صاحب الحاجة، والتعامل مع الخلاف القانوني دون إساءة أو انتقام.


وأقول في هذا:


إذا كانَ علمُ المرءِ بابَ مكانةٍ


فصدقُ الضميرِ هو الأساسُ المكينُ


وما رفعةُ الإنسانِ إلا أمانةٌ


إذا اختُبرَتْ في موقفٍ تستبينُ


فصُنْ عهدَ منصبِكَ الكريمِ فإنما


تبقى المواقفُ، والوجوهُ تزولُ


# المبحث الرابع عشر


# العدالة التي يلمسها المواطن — من هيبة المؤسسة إلى طمأنينة الناس


# المطلب الأول: المواطن لا يرى الهيكل الإداري؛ بل يرى أثره في حياته


قد تبدو المؤسسة القضائية في نظر المواطن بناءً من المكاتب والاختصاصات والملفات، لكنه لا يقيسها بهذه التفاصيل وحدها؛ بل بما يجده حين يلجأ إليها: هل تُسمع شكواه؟ هل يفهم الإجراء؟ هل يُعامل باحترام؟ هل يعرف أين وصلت قضيته؟ وهل يجد طريقًا قانونيًا لمراجعة ما يعتقد أنه خطأ؟


إن هذه الأسئلة البسيطة في ظاهرها تختصر جانبًا مهمًا من العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمواطن قد لا يعرف تفاصيل الاختصاصات القانونية، لكنه يشعر بأثرها حين تتعطل معاملته، أو تتأخر قضيته، أو يُحال من جهة إلى أخرى دون جواب واضح.


ولهذا فإن تحسين تجربة المواطن لا يعني اختزال العدالة في رضا المتعاملين، ولا تقديم السرعة على سلامة القرار؛ بل يعني أن تكون الإجراءات مفهومةً، وأن تُحدد المسارات، وأن يُعامل الناس بكرامة، وأن تُتاح المعلومات التي يسمح القانون بنشرها، وأن تُعالج الشكاوى ضمن مدد وآليات واضحة.


كما ينبغي مراعاة أن بعض القضايا تقتضي السرية، وأن بعض المعلومات لا يجوز كشفها حمايةً للتحقيق أو للخصوصية أو لحقوق الأطراف. فالشفافية الرشيدة ليست نشر كل شيء، وإنما تقديم المعلومة المشروعة في الوقت المناسب وبالقدر الذي يحقق المصلحة العامة دون انتهاك القانون.


إن ثقة المواطن لا تُبنى بوعدٍ بأن كل قضية ستنتهي كما يريد صاحبها، بل بضمان أن تُفحص وفق القانون، وأن تُسمع الأطراف، وأن تكون القرارات مستندةً إلى أسباب معتبرة، وأن تكون طرق المراجعة متاحةً حيث يقررها القانون.


وهنا تكمن أهمية الإدارة الإنسانية للعدالة؛ إذ لا يجوز أن تنسى المؤسسة أن وراء كل ملف حياةً بشريةً كاملة، وأن طريقة التعامل قد تخفف ألم الانتظار أو تضاعفه، وأن الاحترام لا يغيّر الحكم القانوني، لكنه يغيّر تجربة الإنسان مع الدولة.


وأقول في هذا:


ليسَ المواطنُ رقمَ ملفٍّ عابرٍ


بل قلبُ بيتٍ ينتظرُ إنصافَهُ


فإذا قصدَ أبوابَ عدلٍ آمنًا


فليجدِ الاحترامَ قبلَ جوابِه


فالحقُّ حكمٌ، والكرامةُ نهجُهُ


والعدلُ يرفعُ قدرَ من أنصفَهُ


# المطلب الثاني: الشكوى القانونية؛ صوتٌ ينبغي أن يجد طريقه


إن الشكوى ليست خصومةً مع المؤسسة بالضرورة، ولا دليلًا على أن صاحبها مصيب في كل ما يقول؛ إنها وسيلة يتيحها النظام القانوني لعرض واقعة أو اعتراض أو ادعاء يستحق الفحص بحسب طبيعته واختصاص الجهة المعنية.


وقد تكون الشكوى صحيحةً في جوهرها، وقد تحتاج إلى استكمال مستندات، وقد يتبين بعد فحصها عدم قيام ما يبرر اتخاذ إجراء. وفي جميع الحالات، فإن التعامل المهني معها يقتضي تسجيلها، وتحديد موضوعها، ومعرفة الجهة المختصة، وفحص ما يتوافر من أدلة، ثم اتخاذ القرار المناسب وفق القانون.


ولا يجوز أن يُفهم الرد على الشكوى على أنه مجرد رسالة شكلية؛ فحيث تسمح القواعد بذلك، ينبغي أن يكون الرد واضحًا في بيان ما يمكن إيضاحه، وأن يوجه صاحب الشكوى إلى المسار القانوني الصحيح، دون إفشاء معلومات سرية أو التأثير في الإجراءات الجارية.


كما أن تكرار الشكاوى حول موضوع واحد قد يشير أحيانًا إلى حاجةٍ لتوضيح الإجراءات أو تحسين التواصل، حتى إن لم تثبت مخالفة في كل حالة. فالإدارة الجيدة لا تنظر إلى الشكاوى بوصفها إزعاجًا، بل باعتبارها إحدى الوسائل التي يمكن من خلالها اكتشاف مواطن الالتباس والقصور.


ومن واجب القيادة المؤسسية أن تضمن عدم تحول تقديم الشكوى إلى سبب للانتقام أو المعاملة غير المتساوية، وأن يكون التعامل معها خاضعًا للقواعد نفسها التي تحكم سائر الطلبات، مع الحفاظ على حقوق جميع الأطراف.


وأقول في هذا:


لا تُغلقوا بابَ الشكوى في وجهِ امرئٍ


قد جاءَ يحملُ في يديهِ دليلَهُ


فحصُ الشكاوى ليسَ حكمًا مسبقًا


بل واجبٌ يكشفُ الصحيحَ وبديلَهُ


والعدلُ أن تُصغوا، ثم تزنوا الذي


قيلَ، وتتركوا للقانونِ سبيلَهُ


# المطلب الثالث: العدالة بوصفها أساسًا للثقة الوطنية


إن العلاقة بين العدالة والاستقرار علاقة عميقة؛ فالمجتمع الذي يشعر أفراده أن حقوقهم مصونةٌ، وأن خلافاتهم يمكن عرضها على جهات مختصة، وأن القانون يسري على الجميع، يكون أقدر على معالجة نزاعاته بوسائل سلمية ومؤسسية.


أما حين تضعف الثقة بطرق الإنصاف، فقد يلجأ بعض الناس إلى وسائل أخرى لحماية مصالحهم، وقد تتسع دائرة النزاعات، وتتراجع قدرة المؤسسات على أداء وظائفها، ويصبح استقرار المجتمع أكثر هشاشة.


ولا يعني ذلك أن القضاء وحده يستطيع حل جميع مشكلات الدولة؛ فالأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية تحتاج إلى سياسات ومؤسسات متعددة. لكنه يعني أن العدالة عنصر أساسي في أي مشروع وطني يسعى إلى إعادة بناء الثقة، وضمان الحقوق، وتوفير بيئة قانونية مستقرة.


ومن هنا فإن تطوير النيابة العامة ليس شأنًا داخليًا يخص العاملين فيها وحدهم، بل هو جزء من مسألة وطنية أوسع تتصل بأمن المجتمع، وحماية المال العام، وصون الحرية، ومكافحة الجريمة، وضمان أن تُمارس السلطة وفق قواعد معلومة.


وفي هذا السياق، ينبغي أن يكون تقييم أي قيادة قضائية جزءًا من تقييم مؤسسي أوسع، يراعي ما يدخل في نطاق صلاحياتها، وما يتطلب تعاون جهات أخرى، وما تفرضه الظروف العامة من قيود، وما يمكن تحقيقه من تطوير واقعي.


إن الوطن الذي يطلب الطمأنينة يحتاج إلى قانون نافذ، ومؤسسات مسؤولة، ومواطن يعرف حقوقه وواجباته، ومسؤول يدرك أن المنصب تكليف لا امتياز. وهذه العناصر لا ينهض أحدها وحده، لكنها تتكامل حين تتجه جميعها نحو غاية واحدة: أن يكون الحق أقوى من النفوذ، وأن يكون القانون أقوى من الفوضى.


وأقول في هذا:


يا يمنُ، إن طريقَ مجدِكِ واضحٌ


بالعدلِ، لا بالقولِ والألقابِ


إن الحقوقَ إذا استقامتْ بيننا


عادتْ إلى الأوطانِ روحُ شبابِ


والقانونُ إن أصبحْ ملاذَ جميعِنا


مضتِ البلادُ إلى غدٍ رحّابِ


# خاتمة هذه المرحلة


# حين يلتقي ضمير الكاتب بميزان القانون


في هذه المباحث، حاولتُ أن أقترب من جوهر المسؤولية القضائية من جهات متعددة: حماية قرينة البراءة، وصون الحرية الشخصية، واحترام كرامة المحتجز، وضمان عدالة التحقيق، وتقدير الأدلة، وتسبيب القرارات، وبناء القيادة المهنية، ثم الانتقال إلى علاقة المؤسسة بالمواطن والثقة الوطنية.


وما يجمع هذه الموضوعات جميعًا أن العدالة ليست إجراءً منفصلًا عن الإنسان؛ فهي تتعلق بحريته وكرامته وماله ومستقبله، كما تتعلق بأمن المجتمع وحقوق المجني عليه ومصلحة الدولة. ولهذا لا يجوز اختزالها في الحزم وحده، ولا في الرحمة وحدها، ولا في السرعة وحدها، بل يجب أن تقوم على توازن قانوني دقيق يحفظ لكل حق مكانه.


أما دراسة القاضي قاهر مصطفى، فإن إنصافها يقتضي الجمع بين قراءة مسيرته المهنية وتحليل مسؤوليات منصبه، وبين توثيق ما يمكن إثباته من أعماله وقراراته، وطرح المعايير التي ينبغي أن تُقاس بها فعالية المؤسسة. فلا أريد لهذا العمل أن يكون مدحًا يسبق الدليل، ولا نقدًا يتجاوز الوقائع، وإنما دراسةً أدبيةً وقانونيةً تسعى إلى فهم المسؤولية في واقعها الإنساني والوطني.


إن أجمل ما يمكن أن يُقال في رجل يتولى مسؤولية قضائية ليس أنه صاحب سلطة، بل أن السلطة في موقعه تظل مقيدةً بالقانون؛ وليس أنه يقف في قمة المؤسسة، بل أن المؤسسة التي يقودها تقترب من الناس، وتصون حقوقهم، وتراجع أخطاءها، وتعمل على تطوير أدائها.


فالمناصب مهما ارتفعت تنتهي، والأسماء مهما اشتهرت تتغير حولها الأزمنة، لكن أثر العدالة حين يتحقق في حياة الناس يظل أعمق من عمر المنصب وأبقى من ضجيج الكلمات.


وأقول في هذا:


سيبقى من العدلِ الذي قد أقمتَهُ


أثرٌ إذا مرَّ الزمانُ يُخلَّدُ


ويبقى من الإنصافِ نورٌ إذا سرى


إلى قلبِ مظلومٍ، فجرحُهُ يهدأُ


فلا المجدُ في كرسيِّ حكمٍ وحدَهُ


ولكنْ بما يحميه حينَ يُقلَّدُ


يتبع في المبحث الخامس عشر: الذاكرة القضائية والتوثيق الوطني — كيف تُكتب سيرة المسؤول القضائي بميزان الحقيقة، وتُحفظ تجربة المؤسسة للأجيال القادمة.

[22/‏10, 5:21 م] gfyffd:

# المبحث الخامس عشر


# الذاكرة القضائية والتوثيق الوطني


# كيف تُكتب سيرة المسؤول القضائي بميزان الحقيقة، وتُحفظ تجربة المؤسسة للأجيال القادمة


ليست سيرة المسؤول القضائي حكايةً تُروى لإرضاء العاطفة، ولا قصيدةً تُنشد في حضرة المنصب، ولا سجلًّا تُجمع فيه عبارات الثناء حتى يغيب عنها وجه الحقيقة؛ وإنما هي شهادة على مرحلة من مراحل الدولة، وقراءة في علاقة السلطة بالقانون، ومحاولة لاستخلاص الدروس من تجربة رجلٍ تولّى مسؤوليةً عامة في زمنٍ تشتد فيه الحاجة إلى العدالة، وتتزاحم فيه الأزمات، وتتعاظم فيه مسؤولية المؤسسات عن حماية الإنسان وصيانة حقوقه.


وحين نتناول سيرة القاضي قاهر مصطفى، النائب العام للجمهورية اليمنية، فإننا لا نكتب عن اسمٍ مجرد من سياقه، ولا عن منصبٍ منفصل عن أعبائه، بل نبحث في موقع المسؤول القضائي داخل معادلة وطنية دقيقة، تتقاطع فيها هيبة الدولة مع كرامة المواطن، وسلطة التحقيق مع ضمانات الحرية، ومتطلبات مكافحة الجريمة مع حرمة الحقوق، وتطلعات الإصلاح مع حدود الواقع وإمكاناته.


إن الكتابة عن المسؤول القضائي مسؤولية مضاعفة؛ لأن موضوعها يتصل بمرفقٍ من أخطر مرافق الدولة، ولأن الكلمة التي تُكتب عنه قد تتحول، في ذاكرة الناس، إلى شهادة تاريخية يُستند إليها في فهم مرحلة كاملة. ومن هنا، فإن واجب الباحث لا يقف عند حدود إظهار الجوانب المضيئة، بل يمتد إلى ضبط الرواية، وتحرير الوقائع، وتمييز الثابت من المنقول، والتحليل من الانطباع، والأمل من الإنجاز المتحقق.


فالتاريخ لا يُخدم بالمبالغة، كما لا يُنصفه التجاهل؛ وإنما يخدمه التوازن الذي يرى ما تحقق، ويُسجل ما تعثر، ويبحث عن الأسباب، ويترك للأجيال حقها في الحكم على الوقائع بأدلتها.


وأقول في هذا:


إذا أردتَ لذكرِ الرجالِ خلودَهُ فصُنْهُ من الأهواءِ والتزيينِ


فما المجدُ أن تُعلي الرجالَ مديحُنا ولكنْ بأن نَزِنَ الفعالَ بميزانِ


ولا المجدُ أن تُخفى العيوبُ تملُّقًا ولكنْ بأن يُهدى الصوابُ بإحسانِ


فإنَّ الذي يبقى من المرءِ موقفٌ إذا انكشفَ التاريخُ دونَ دخانِ


# أولًا: بين السيرة الشخصية والسيرة المؤسسية


تختلف سيرة المسؤول القضائي عن سيرة صاحب الشهرة العابرة؛ لأن أثر الأول لا يُقاس بمجرد حضوره في المشهد العام، بل بما يتركه في المؤسسة التي تولّى مسؤوليتها، وبما يسهم فيه من تثبيت قواعد العمل، وتحسين الإجراءات، وترسيخ استقلال القرار القانوني، وتطوير كفاءة أعضاء النيابة والعاملين فيها.


قد يمر المسؤول في منصبه سنواتٍ ثم يغادر، بينما تبقى المؤسسة على حالها، لا تتذكر من عهده إلا اسمه وتاريخ تعيينه. وقد تنتهي مدة مسؤول آخر، لكن أثره يظل حاضرًا في إجراءات أكثر انضباطًا، وملفات أكثر تنظيمًا، وآليات رقابة أوضح، وكفاءات مهنية أقدر على حمل الأمانة.


وهنا يكمن الفارق بين إدارة المنصب وبناء المؤسسة.


فإدارة المنصب تتصل بما يُنجز خلال فترة المسؤولية، أما بناء المؤسسة فيتصل بما يبقى بعد انتهائها. والأولى قد ترتبط بقدرة الشخص على التدخل والمتابعة، بينما الثانية تكشف عن قدرته على تأسيس قواعد تستمر حتى في غيابه.


ومن هذا المنطلق، فإن تقييم تجربة القاضي قاهر مصطفى ينبغي ألا ينحصر في صفته الوظيفية أو حضوره العام، بل يتجه إلى دراسة ما يمكن إثباته من أثر مؤسسي خلال فترة توليه المسؤولية: ما الذي تطور في أداء النيابات؟ وما الذي تحسن في إدارة القضايا؟ وما مدى انتظام الرقابة على أعمال أعضاء النيابة؟ وما الأدوات التي تتيح للمواطن معرفة مصير شكواه؟ وما الضمانات التي تحول دون بقاء القضايا معلقةً بلا مبرر قانوني؟


هذه أسئلة لا تنتقص من مكانة المسؤول، بل تضعها في موضعها الصحيح؛ لأن المنصب العام لا يكتسب قيمته من الألقاب التي تحيط به، وإنما من مقدار ما يحققه من منفعة عامة في إطار القانون.


# ثانيًا: الوثيقة بوصفها ذاكرةً للعدالة


إن أخطر ما يهدد الذاكرة القضائية هو أن تتحول الوقائع إلى روايات متضاربة، وأن تضيع القرارات بين الملفات، وأن تُنسى التجارب التي كان يمكن أن يستفيد منها من يأتي بعد أصحابها.


فالوثيقة القضائية ليست ورقةً صامتة؛ إنها جزء من ذاكرة الدولة، وشاهد على كيفية ممارسة السلطة، وأداة لحماية الحقوق، ومرجع لتقويم الأداء المؤسسي. وبقدر ما تكون الوثائق محفوظةً ومنظمةً وقابلةً للمراجعة، تتعزز قدرة المؤسسة على فهم تاريخها، ومحاسبة أخطائها، وتطوير إجراءاتها.


ومن هنا، فإن التوثيق الوطني لتجربة النيابة العامة لا ينبغي أن يكون مجرد جمعٍ للأخبار الصحفية أو التصريحات العامة، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى بناء سجل تحليلي موثوق يضم القرارات المنشورة، والتقارير الرسمية المتاحة، والبيانات المعلنة، والمؤشرات الإحصائية القابلة للتحقق، وما يمكن نشره قانونًا من نتائج الإصلاح والتطوير.


ولا يعني ذلك نشر أسرار التحقيقات أو كشف بيانات المتقاضين أو المساس بقرينة البراءة؛ فالتوثيق المسؤول يحترم سرية الإجراءات حين يفرضها القانون، ويحمي البيانات الشخصية، ويوازن بين حق المجتمع في المعرفة وحقوق الأفراد في الخصوصية والمحاكمة العادلة.


إن المؤسسة القوية لا تخشى التوثيق المنضبط؛ لأنها تدرك أن وضوح إجراءاتها يزيد الثقة بها، وأن حفظ سجلاتها يحمي حقوق الناس، وأن إتاحة المعلومات المسموح بنشرها تفتح الطريق أمام التقييم الموضوعي بدلًا من ترك المجال للشائعات والتأويلات.


# ثالثًا: كيف تُقاس التجربة القضائية؟


لا يكفي أن نصف مرحلةً بأنها مرحلة إصلاح، ولا أن نقرر أن مؤسسةً ما قد تقدمت، ما لم نحدد المقصود بالإصلاح، والمعايير التي يُقاس بها، والبيانات التي تسمح بالتمييز بين التقدم المعلن والتقدم المتحقق.


فالإصلاح القضائي ليس عبارةً إنشائية، بل عملية مركبة تشمل سرعة الفصل في القضايا، وجودة التحقيق، واحترام الضمانات القانونية، وفعالية الرقابة، وكفاءة الموارد البشرية، وسلامة إدارة الملفات، وإمكان وصول المواطن إلى المعلومة المتعلقة بمعاملته في الحدود التي يجيزها القانون.


وبالنسبة إلى النيابة العامة، يمكن أن تتناول الدراسة مؤشرات من قبيل:


* متوسط المدة التي تستغرقها القضايا في مراحل التحقيق، مع مراعاة اختلاف أنواع الجرائم وتعقيداتها.


* نسبة القضايا المتراكمة مقارنةً بالقضايا الواردة والمنجزة خلال الفترة نفسها.


* مدى انتظام مراجعة أوضاع المحبوسين احتياطيًا، والتحقق من وجود السند القانوني لاستمرار الحبس ومدى الالتزام بمدده وإجراءاته.


* عدد الشكاوى المتعلقة بتأخر الإجراءات، وكيفية التعامل معها، وما تكشف عنه من أنماط مؤسسية.


* مستوى التدريب المهني، ومدى توافر الأدلة الإجرائية والمعايير الموحدة للعمل.


* كفاءة أنظمة حفظ الملفات وتتبعها، وقدرتها على منع ضياع المستندات أو تعطل الإجراءات.


* مدى توافر آليات فعالة لتلقي التظلمات وفحصها والرد عليها وفق القانون.


ولا يجوز قراءة أي مؤشر بمعزل عن ظروفه؛ فارتفاع عدد القضايا المنجزة، مثلًا، لا يكفي وحده لإثبات جودة الأداء، ما لم يُنظر إلى طبيعة القضايا، وسلامة الإجراءات، وجودة القرارات، ومدى احترام الحقوق. كما أن انخفاض عدد الشكاوى لا يعني بالضرورة زوال أسبابها؛ فقد يكون نتيجة تحسن الأداء، وقد يرتبط بصعوبة الوصول إلى آليات الشكوى أو ضعف الثقة بها.


ولذلك، فإن القياس العادل يحتاج إلى بيانات موثقة، ومقارنة زمنية منضبطة، وتعريفات واضحة للمؤشرات، وإفصاح عن حدود البيانات المتاحة. وما لم تتوافر هذه العناصر، ينبغي أن يظل الحكم في حدود ما تسمح به الأدلة، لا أن يتجاوزها إلى نتائج لا يسندها الواقع المثبت.


# رابعًا: المسؤول القضائي بين الثناء والمساءلة


من حق المجتمع أن يُثني على العمل الجاد، ومن حق الباحث أن يُبرز الجوانب الإيجابية متى ثبتت، لكن من واجبه أيضًا أن يميز بين الثناء الذي يقوم على وقائع، والمديح الذي يستند إلى الانطباع وحده.


فالعدالة لا تنتفع بمديحٍ يجعل المسؤول فوق النقد، كما لا تنتفع بهجومٍ يحجب كل إنجاز لمجرد الاختلاف. والموقف العلمي الرشيد هو الذي يضع الجميع تحت معيار واحد: القانون، والوقائع، والأدلة، والنتائج.


ولا ينبغي أن يُفهم النقد الموضوعي باعتباره خصومةً شخصية، أو أن يُفسر الثناء المنضبط باعتباره تنازلًا عن استقلال الباحث. فالمعيار الذي نحتكم إليه هو ما إذا كان القول مؤيدًا بما يسنده، وما إذا كان التقييم منصفًا في عرض عناصر القوة والقصور، وما إذا كانت التوصية المقترحة قابلةً للتطبيق.


إن المسؤول الذي يتولى موقعًا قضائيًا رفيعًا لا يحتاج إلى أن يُحاط بصورةٍ مثالية لا تقبل المراجعة؛ بل يحتاج إلى مؤسسة تستطيع رصد مواطن الخلل، وإيصال الملاحظات المهنية، وتصحيح الإجراءات، دون خوفٍ من الانتقام أو تحريفٍ للحقائق.


وإذا كانت هذه الدراسة تتناول تجربة القاضي قاهر مصطفى، فإنها تتعامل مع مسؤوليته بوصفها مسؤوليةً عامة تخضع لمعيار القانون، وتبحث في سبل تعزيز أداء النيابة العامة، دون أن تجعل التقييم الشخصي بديلًا عن الوثيقة، أو التوقع بديلًا عن الإنجاز، أو العاطفة بديلًا عن البرهان.


وأقول في هذا:


ليس الثناءُ بأن نُغلقَ بابَنا دونَ السؤالِ إذا تعاظمَ شأنُهُ


فالعدلُ ميزانٌ إذا ما استُودِعَتْ في كفِّ مسؤولٍ أمانةُ صونِه


والنقدُ إن قصدَ الإصلاحَ فضيلةٌ والصدقُ أكرمُ ما يُصانُ به اسمُه


من صانَ حقَّ الناسِ في استيضاحِهم صانَ المكانةَ واستقامَ بناؤُه


# خامسًا: الذاكرة القضائية في زمن الحرب


تزداد أهمية التوثيق عندما تمر الدولة بمرحلة اضطراب أو حرب؛ لأن الأزمات لا تهدد انتظام العمل فحسب، بل تهدد أيضًا قدرة المؤسسات على حفظ سجلاتها، واستمرار إجراءاتها، ونقل خبراتها، وإثبات ما اتخذته من قرارات.


وفي اليمن، حيث تفرض الظروف الاستثنائية تحديات على مؤسسات الدولة ومرافق العدالة، تصبح المحافظة على الوثائق والملفات والسجلات ضرورةً قانونيةً ووطنية، لا مجرد شأن إداري.


فالملف الذي يُفقد قد يحمل دليلًا على حق إنسان، والسجل الذي يتعطل قد يؤخر إجراءً لازمًا، والقرار الذي لا يُوثق على نحو صحيح قد يثير نزاعًا حول مضمونه أو تاريخ صدوره أو الجهة المختصة به. وقد تتجاوز آثار هذا الخلل حدود الإدارة لتصل إلى الحرية الشخصية أو الحقوق المالية أو مصير دعوى جزائية.


ومن هنا، فإن بناء ذاكرة مؤسسية للنيابة العامة ينبغي أن يشمل خططًا لاستمرارية العمل عند الأزمات، وحماية الأرشيف، والنسخ الاحتياطي الآمن، وتنظيم صلاحيات الاطلاع، وتوثيق حركة الملفات، ووضع إجراءات واضحة لاستعادة البيانات عند تعطل الأنظمة.


ويجب أن يجري ذلك كله وفق الضوابط القانونية والمهنية، مع منع الوصول غير المصرح به، وصون أسرار التحقيق، وضمان عدم العبث بالمستندات أو تعديلها بغير سند.


إن المؤسسة التي تحمي ذاكرتها تحمي جزءًا من عدالة المجتمع؛ لأن الحقوق لا تعتمد على وجود القاعدة القانونية وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى قدرة عملية على إثبات الوقائع، ومراجعة الإجراءات، والوصول إلى السجلات عند الحاجة.


# سادسًا: من سيرة الفرد إلى درس الدولة


قد تكون سيرة المسؤول مدخلًا مناسبًا لدراسة مرحلة مؤسسية، لكن القيمة الأبعد لهذه السيرة تظهر حين تتجاوز حدود الشخص إلى الدروس التي يمكن أن يستفيد منها النظام العام.


فالسؤال ليس فقط: من تولى المسؤولية؟ بل أيضًا: ما الذي تكشفه تجربته عن طبيعة المنصب؟ وما الذي تحتاجه المؤسسة حتى لا تتوقف فعاليتها على وجود شخص بعينه؟ وما الضمانات التي تجعل الإصلاح عملًا مؤسسيًا مستمرًا، لا مبادرةً مؤقتة مرتبطة بإرادة فرد؟


وهنا تتجلى أهمية الفصل بين القيادة والإدارة، وبين القرار الشخصي والنظام المؤسسي، وبين الإنجاز العابر والتحول المستدام.


فالقيادة الرشيدة تضع اتجاهًا واضحًا، والإدارة المهنية تحوله إلى إجراءات، والرقابة القانونية تتحقق من سلامة التطبيق، والتوثيق يحفظ التجربة، والتقييم يقيس النتائج، والتدريب ينقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة. وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح الإصلاح أقرب إلى الاستمرار، وأقل عرضةً للتراجع بتغير الأشخاص.


ومن حق القاضي قاهر مصطفى، بوصفه مسؤولًا عامًا، أن تُدرس تجربته في إطار هذه الأسئلة، وأن يُنصف ما يثبت من جهوده، وأن تُبحث التحديات التي واجهت المؤسسة في زمن مسؤوليته، وأن تُستخلص التوصيات التي تعزز أداء النيابة العامة مستقبلًا.


غير أن الإنصاف لا يتحقق بإسناد كل نجاح إلى فرد، ولا بإلقاء كل إخفاق على فرد؛ فالمؤسسة تتأثر بالتشريعات والموارد والظروف العامة وكفاءة العاملين وآليات الرقابة والتنسيق بين الجهات. ومن ثم، فإن التحليل المتوازن يدرس مسؤولية القيادة في حدود اختصاصها، ويبحث في العوامل المؤسسية المحيطة بها، دون إعفاءٍ من المساءلة أو تحميلٍ يتجاوز الدليل.


# سابعًا: منهج مقترح لتوثيق تجربة النيابة العامة


إن الدراسة الجادة التي تتناول تجربة النائب العام ينبغي أن تقوم على منهج واضح يُمكن القارئ من التمييز بين مستويات المعرفة، وأن تعتمد تصنيفًا للمعلومات يحدد طبيعة كل معلومة ومصدرها ودرجة إمكان التحقق منها.


ويمكن بناء هذا المنهج على أربعة مستويات مترابطة:


المستوى الأول: الوقائع الموثقة. وتشمل القرارات الرسمية، والبيانات المنشورة، والتقارير المتاحة، والتواريخ والمعلومات التي يمكن التحقق من صحتها. ويُعرض هذا المستوى بعبارات دقيقة دون إضافة ما لا يتضمنه المصدر.


المستوى الثاني: الوقائع المنقولة. وتشمل ما تنقله الصحافة أو التصريحات أو الشهادات المنشورة، مع بيان طبيعتها وعدم معاملتها تلقائيًا معاملة الوثيقة الرسمية أو الحكم القضائي.


المستوى الثالث: التحليل والتقييم. ويتناول تفسير الوقائع، وقراءة أثرها المحتمل، ومقارنتها بالمبادئ القانونية والمعايير المهنية. ويجب أن يبقى التحليل متميزًا عن الواقعة نفسها، حتى لا يختلط الاستنتاج بالدليل.


المستوى الرابع: المقترحات الإصلاحية. ويشمل ما يراه الباحث لازمًا لتطوير العمل، مثل تحديث أنظمة إدارة القضايا، وتعزيز الرقابة، ورفع كفاءة التدريب، وتيسير إجراءات الشكاوى، وتحسين نشر المعلومات المسموح بإتاحتها. وهذه المقترحات لا تعني أن المؤسسة قد نفذتها بالفعل، بل تعبر عن رؤية مستقبلية ينبغي اختبارها وتقييم جدواها.


وبهذا التصنيف، يصبح الكتاب أكثر قدرةً على أداء رسالته: فهو لا يقدم صورة دعائية، ولا يصدر حكمًا مسبقًا، بل يبني قراءةً موثقة قابلةً للنقاش والتصحيح والإضافة.


إن الأمانة في البحث ليست قيدًا على قوة التعبير؛ بل هي التي تمنح التعبير قيمته. فاللغة الرفيعة تستطيع أن تكون مؤثرةً دون أن تختلق واقعة، وأن تكون منصفةً دون أن تتخلى عن النقد، وأن تعبر عن الأمل دون أن تزعم أن المستقبل قد تحقق.


# خاتمة المبحث


إن الذاكرة القضائية ليست ترفًا ثقافيًا، ولا احتفالًا بأسماء المسؤولين، وإنما هي إحدى الوسائل التي تتعلم بها الدولة من تجربتها، وتحفظ بها حقوق الناس، وتمنع بها تكرار الأخطاء، وتبني من خلالها مؤسساتٍ أكثر قدرةً على مواجهة الأزمات.


وحين نكتب عن القاضي قاهر مصطفى، فإننا نضع تجربته في إطارها الوطني والقانوني، وننظر إلى المنصب بوصفه أمانةً تتصل بمصائر الناس، وإلى المؤسسة بوصفها بناءً لا ينبغي أن يقوم على الأشخاص وحدهم، وإلى التوثيق بوصفه شرطًا من شروط الإنصاف التاريخي.


فإن ثبت إنجاز، وجب أن يُنسب إلى أصحابه بقدر ما تثبته الوقائع؛ وإن ظهر قصور، وجب أن يُدرس بأسبابه وآثاره؛ وإن تعذر التحقق من أمر، وجب أن يبقى في دائرة ما لم يثبت، لا أن يُملأ بالظن أو تُحسم حقيقته بالرغبة.


تلك هي الأمانة التي ينبغي أن يحملها الباحث، وتلك هي المسافة الفاصلة بين كتابةٍ تصنع صورةً مؤقتة، وكتابةٍ تسهم في حفظ الذاكرة الوطنية.


وأقول في هذا:


سجِّلْ من التاريخِ ما قد ثبتا ودعِ الظنونَ إذا الزمانُ التبسا


فالحقُّ يبقى حين تُحسنُ صونَهُ والزيفُ مهما علا سرعانَ ما انطمسا


واكتبْ عن الإنسانِ دونَ تقديسِهِ فالعدلُ أرفعُ من مديحٍ أُلبِسا


واجعلْ من الأوراقِ جسرًا للهدى حتى يرى جيلٌ بما قد أُسِّسا


# المبحث السادس عشر


# استقلال النيابة العامة وسيادة القانون


# بين استقلال القرار القانوني، والمسؤولية المؤسسية، وحماية العدالة من الضغوط


إن استقلال النيابة العامة ليس عبارةً تُردد في المناسبات، ولا امتيازًا يُمنح لمن يشغل منصبًا رفيعًا، بل هو مبدأ تتعلق به سلامة العدالة ذاتها؛ إذ لا يمكن أن يؤدي التحقيق وظيفته على الوجه الصحيح إذا خضع لتأثيرٍ غير مشروع، أو حُرّك بدافع الخصومة، أو عُطّل استجابةً لنفوذ، أو استُخدم وسيلةً لتصفية الحسابات.


فالنيابة العامة تقف عند منطقة شديدة الحساسية بين سلطة الدولة وحقوق الفرد؛ فهي تمارس اختصاصاتٍ تمس الحرية والسمعة والمال، وتشارك في إقامة الدعوى الجزائية ومباشرتها وفق أحكام القانون، وتؤدي دورًا محوريًا في حماية النظام العام. ولهذا، فإن سلامة عملها لا تتوقف على كفاءة أعضائها فحسب، بل تعتمد أيضًا على استقلال القرار القانوني، ووضوح الاختصاصات، ووجود ضمانات تمنع الانحراف بالسلطة.


وإذا كان المجتمع ينتظر من النيابة العامة أن تواجه الجريمة بقوة، فإنه ينتظر منها كذلك ألا تُجرِّم بريئًا، وألا تجعل الشبهة دليلًا، وألا تتحول إجراءات التحقيق إلى عقوبة سابقة على الحكم. فالقوة التي لا تضبطها القواعد قد تنقلب إلى تعسف، والسلطة التي لا تخضع للمراجعة قد تفقد ثقة الناس، والإجراء الذي لا يستند إلى القانون قد يضر بالعدالة حتى إن رُفع شعار حماية العدالة.


ومن هنا، فإن دراسة تجربة النائب العام لا تنفصل عن السؤال الأوسع: كيف تُصان استقلالية القرار القانوني في واقع تتعدد فيه الضغوط السياسية والاجتماعية والأمنية، وتتأثر فيه المؤسسات بظروف الدولة وإمكاناتها؟


هذا السؤال لا يُجاب عنه بالمديح أو الاتهام، بل بفحص التشريعات المنظمة، وآليات توزيع الاختصاصات، وضمانات اتخاذ القرار، وقواعد المساءلة المهنية، ومدى قدرة أعضاء النيابة على أداء واجباتهم وفق القانون، بعيدًا عن التأثيرات التي لا يقرها النظام القانوني.


# أولًا: الاستقلال ليس انفصالًا عن القانون


قد يُساء فهم الاستقلال، فيُتصور أنه يعني تحرر المسؤول من كل رقابة أو مساءلة. والحقيقة أن الاستقلال القانوني لا يعني إطلاق اليد، بل يعني أن يكون القرار مستندًا إلى القانون والأدلة والاختصاص، وأن تكون المراجعة والمساءلة وفق قواعد معلومة، لا وفق رغبات شخصية أو ضغوط خارج الإطار المشروع.


فالاستقلال لا يعفي عضو النيابة من واجب التسبيب حيث يوجبه القانون، ولا يحول دون مساءلته عن مخالفة ثابتة، ولا يجيز له تجاوز اختصاصه. بل إنه يجعل القرار أكثر ارتباطًا بالمعيار القانوني، وأبعد عن الاعتبارات التي لا تصلح أساسًا للتصرف في حقوق الناس.


إن النيابة المستقلة ليست نيابةً لا يُسأل أعضاؤها، وإنما نيابة لا يُفرض عليهم قرار غير مشروع، ولا يُعاقبون لمجرد اتخاذهم موقفًا قانونيًا سليمًا، ولا يُمنحون حصانةً من المراجعة حين يخطئون.


ومن هذا المنطلق، فإن استقلال النيابة العامة وسيادة القانون وجهان لمبدأ واحد: أن تُمارس السلطة في حدود الاختصاص، وأن تكون القرارات قابلةً للفحص وفق القانون، وأن تتساوى المراكز القانونية أمام القواعد العامة.


وأقول في هذا:


إذا استقامَ القانونُ في قرارِنا هانتْ ضغوطُ الناسِ والأزمانِ


فالعدلُ لا يحيا بغيرِ ضوابطٍ تحمي القرارَ من الهوى والطغيانِ


والاستقلالُ أمانةٌ ومسؤوليةٌ لا أن يُصانَ به مقامُ إنسانِ


بل أن يكونَ الحقُّ فوقَ مصالحٍ وتظلَّ أحكامُ القانونِ ميزانِ


# ثانيًا: النائب العام ومسؤولية حماية القرار القانوني


يتولى النائب العام موقعًا بالغ الأهمية في بنية النيابة العامة؛ فهو مسؤول عن أداء المؤسسة في نطاق اختصاصه، وعن متابعة انتظام العمل، وتطوير الأداء، وتعزيز احترام القانون داخل المرفق الذي يقوده. غير أن هذه المسؤولية ينبغي فهمها في إطار القواعد المنظمة للنيابة العامة، لا باعتبارها سلطةً شخصيةً مطلقة على كل قرار أو إجراء.


فالقيادة المؤسسية الرشيدة هي التي تضع معايير واضحة للعمل، وتضمن وحدة التوجه القانوني في حدود المشروعية، وتدعم استقلال أعضاء النيابة في أداء واجباتهم، وتوفر وسائل الرقابة المهنية التي تكشف الخطأ وتصححه.


ولا تتحقق هذه الغاية بمجرد إصدار التعليمات؛ بل تتطلب وضوحها، ومشروعيتها، وإمكان تطبيقها، ومراجعة نتائجها. كما تتطلب التمييز بين التوجيه الإداري الذي ينظم العمل، والتدخل غير المشروع الذي يفرض نتيجةً قانونية لا تسندها الأدلة أو يخالف الضمانات المقررة.


ومن هنا، فإن تقييم القيادة لا يقوم على مقدار ما تصدره من توجيهات فحسب، بل على مدى اتساق تلك التوجيهات مع القانون، وفاعلية أدوات المتابعة، ووجود قنوات مهنية لتصحيح الأخطاء، وقدرة المؤسسة على التعامل مع القضايا دون تمييز غير مشروع.


ويتواصل البحث في المبحث السابع عشر: النيابة العامة وثقة المجتمع — كيف تُبنى الثقة بالأداء القانوني، وشفافية الإجراءات، واحترام حقوق الإنسان.