آخر تحديث :الإثنين-28 سبتمبر 2026-01:01ص
أدب وثقافة

عدت .. ولكن ! قصة قصيرة

الأحد - 27 سبتمبر 2026 - 10:29 م بتوقيت عدن
عدت .. ولكن ! قصة قصيرة
المصدر: بقلم / د.الخضر حنشل

كان سريرها الخشبي يقبع في بهو واسع ، تقابله أربع حجرات مبنية من الطين المشوب ،وكان المنزل يتوسط ربوة تعلوها أشجار الديمن والسدر ،يقع في الجهة الشرقية من منازل القرية التي بنيت معظمها من الطين،والحجارة...

إنها حقا قرية غاية في الجمال والبساطة،تحيط بها الحقول الخضراء من كل ناحية..

كانت أراها في الصباح الباكر تجر جسدها العملاق صوب المزرعة المقابلة لمنزلنا ،تتوكأ على عصاها،وتلوح بها يميناً وشمالاً، لتثني الطيور المحلقة من الهبوط في الحقل،وأحياناً تنهرها بصوتها الجهوري الذي يهز أعواد القصب.

يهرع الناس في القرية بجد ونشاط إلى أعمالهم باكرين،ويتجه الرعاة بقطعانهم إلى السهول ،والشعاب البعيدة ،ولا يرجعون إلا وقت الهجير،ويمضي الفلاحون نحو مزارعهم ،

وتقوم النسوة بلوازم البيت.. الكل ينتشر في الصباح للعمل،وكان عملي في الإجازة المدرسية الصيفية مساعدة الجدة في الذود عن حياض المزرعة،ومطاردة الطيور،وغيرها من المواشي الضالة...

كانت تجلس تحت شجرة الحمر العتيقة المطلة على المزرعة تمد بصرها نحو الأفق البعيد،تراقب مايدور في الأجواء حول المزرعة ،وكأنها رادار للرصد،وكنت على مقربة منها،فقد كلفت بخدمتها،

ورهن إشارتها،فما أن تأمرني بشيء حتى أنطلق مسرعاً ملبيا أمرها في غير تردد أو نقاش.

في ذلك اليوم بالذات كنت منشغل البال شارد الذهن مبعثر الخطئ..

أقاصر خطواتي بين البيت ،والجدة،والمزرعة،

أتحرك ببطء شديد على غير عادتي،وفي يدي مذياعي الصغير..كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة من صباح يوم الأثنين،حينها توقفت عن السير،وبدأت أحرك عجلة المذياع ملتمسا إذاعة عدن،حاولت جاهداً تدوير العجلة ببطء،فجاء الصوت واضحاً،وبدأ المذيع المخضرم يبث رسائل أصدقاء برنامج مع المستمعين الذي يأتي في هذه الساعة تقريباً من يوم الأثنين من كل أسبوع..

مرت الدقائق،وبدأ يخامرني هاجس الشك،فقلت في نفسي:" لعل ساعي البريد في مركزنا قد أضاع رسالتي التي بعثتها للبرنامج..ياللوكسة لقد سطرت فيها كل ما جال بخاطري من أبيات شعرية متواضعة دعماً لثورة الحجارة الفلسطينية التي أنطلقت ضد الصهاينة في عامنا هذا منتصف ٨٧)".

كانت جدتي ترى الطيور ،والمواشي السائبة ،وهي تجتاح المزرعة،وتعبث بها ،فتصرخ بأعلى صوتها وتناديني.

أما أنا فكنت في عالم آخر ، ألصقت أذني بصدر المذياع ،ولم أسمع صراخها المدوي،كنت في معركة مع عجلة المذياع المهترئة،كلما تحشرج الصوت ،أدرتها برفق يميناً ويساراً،وبعد جهد جهيد جاء صوت المذيع متقطعا متهدجا تعبث به تباريح الريح : "مرحباً.. مرحباً بصديقنا الجديد ،واليوم مع أولى مساهماته التي بعث بها إلى برنامجنا."

كاد قلبي أن يحلق في عنان السماء ،ويسابق الطيور من شد الفرح والنشوة ،وماهي إلا لحظات ،حتى لمحت جدتي تهوي نحوي غاضبة مهرولة،وفي يدها عصاها، فقمت مذعورا قبل أن تقع العصا في ظهري،

وانطلقت مسرعاً

صوب المزرعة،فرشقت العصافير بالحجارة في عجالة،

وعدت مهرولا نحو المذياع لعلي أحظى بسماع مساهمتي...

عدت.. ولكن بعد فوات الأوان،لقد أغمي على مذياعي ،وأصابه الصمم

بعد أن وكزته جدتي بعصاها،وعادت غاضبة تجر جسدها نحو الشجرة ..

تجلت لعيني قريتنا في لحظات الوجد والشوق

والحنين،

وراودني في صحوتي ومنامي صوت جدتي،وحشرجة المذياع، وصوصوة العصافير،وأهازيج الرعاة ،

وفي زمن اللاعودة قررت أن أعود إليهم جميعاً..

قررت أن أهجر الأزقة والشوارع والسيارات،ونعيق الغربان ...

عدت وفي قلبي لهفة لرؤية مطارح القوم ،ومرابعهم ،فناديتهم في بهيم الليل الساجي بأعلى صوتي:" جدتي..جدتي ..

بحثت طويلا عن مذياعي ،والطيور ،والرعاة ،

والأهل والمواشي..

ناديتهم جميعاً ،فلم أسمع غير صدى صوتي يتردد في جنبات المكان ..ولم أجد غير بعض الجدران الطينية المتهالكة ،ولم يبق من شجرتنا العتيقة غير جذع يابس تعبث به الرياح

،وتسكنه جيوش من النمل ...

أطرقت رأسي مليا في الأرض فأيقنت أن جدتي،ومذياعي،والطيور،

والأهل،والمواشي يرقدون في مكان ما من تلك البقعة الطاهرة .