آخر تحديث :الإثنين-28 سبتمبر 2026-01:01ص
أدب وثقافة

الوصابي: الشعراء من أذكى الناس وأكثرهم فطنة

الأحد - 27 سبتمبر 2026 - 06:40 م بتوقيت عدن
الوصابي: الشعراء من أذكى الناس وأكثرهم فطنة
المصدر: تونس (عدن الغد) حمزة الهمامي:

طرح الباحث اليمني مجيب الرحمن الوصابي، خلال مشاركته في مهرجان الأغنية الشعبية المنعقد مؤخرا في ولاية تونس، وفي الندوة التي حملت عنوان (ذاكرة المكان وحكمة الإنسان) في يومها الثاني، رؤية لافتة حول العلاقة بين الشعر والذكاء، مستندا إلى تجربته في تدريس الموهوبين في اليمن لأكثر من عشر سنوات.


وأوضح الوصابي أن تجربته التعليمية، وسيما من خلال تدريسه للطلبة الموهوبين الذين اختيروا بعناية للدراسة في مدارس عدن، أتاحَت له ملاحظة خصائص وقدرات ذهنية متميزة لدى هذه الفئة، وأن بعضهم كان يتمتع بمستويات مرتفعة من الذكاء العام. ومن خلال تلك التجربة، لاحظ الوصابي، بحسب طرحه، تقاطعات بين بعض الخصائص التي لمسها لدى الموهوبين وبين ما يراه من سمات متكررة لدى كثير من الشعراء، ولا سيما سرعة التقاط العلاقات بين الأشياء، والقدرة على بناء الصور، وتوليد المعاني، والنظر إلى التجربة الإنسانية من زوايا غير مألوفة.


ومن هنا لا ينظر الوصابي إلى ذكاء الشاعر باعتباره محصورا في اختبارات الذكاء التقليدية أو في القدرة على الحفظ والاسترجاع والحساب، وإنما يوسع مفهوم الذكاء ليشمل الذكاء الإبداعي والقدرة على التخيل والتركيب والتكثيف. وفي هذا السياق يقول


"إذا أردنا أن نبحث عن مظاهر الذكاء الإنساني في الشعر، فلا ينبغي أن نحصر الذكاء في القدرة على الحساب أو استرجاع المعلومات، وإنما ينبغي أن نلتفت أيضا إلى القدرة على اكتشاف العلاقات الخفية بين الأشياء، وتكثيف التجربة، وتحويل المعنى المجرد إلى صورة محسوسة، وصياغة الكلام بطريقة تظل قابلة للحفظ والتداول. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة الشاعر محمد الغزال الكثيري في أغنيته (ما عليش يا دحدوح) بوصفها نموذجا واضحا لذكاء الشاعر في بناء الصورة وتجسيد المعنى...


فالشاعر لا يقدم مأساة غزة في صورة تقرير أو خبر، وإنما يحولها إلى تجربة إنسانية محسوسة. حين يقول: دمار غزة كارثة وإجرام، تتحول غزة من اسم جغرافي إلى حامل للحدث والذاكرة والألم. وقد خلصت الدراسة المرفقة إلى أن المكان في الأغنية لا يظهر خلفية محايدة، بل يتحول من (جغرافيا) إلى (ذاكرة)، وتصبح تسمية غزة نفسها فعلا من أفعال التذكر.


ويتجلى ذكاء الشاعر بصورة أوضح في العبارة المركزية: (ما عليش يا دحدوح. فهذه الكلمات القليلة تؤدي وظيفة أكبر من حجمها اللغوي؛ فهي مواساة واعتراف بالألم وانحياز إنساني في آن واحد. ومع التكرار تتحول العبارة من خطاب موجه إلى شخص واحد إلى صوت جماعي، ومن اسم شخص إلى رمز لتجربة إنسانية أوسع. وتشير الدراسة إلى أن قوة اللغة الشعبية هنا تكمن في قدرتها على اختزال تجربة إنسانية كاملة في عبارة قصيرة قابلة للترديد.


أما القدرة على تجسيد المعنى فتظهر بجلاء في الصور: يطول ليلها الزم الفجر يلوح". فالليل ليس مجرد زمن، وإنما يصبح صورة للكارثة والقهر، بينما يتحول الفجر إلى صورة للأمل واستمرار الحياة. وهذه الصورة تكشف قدرة شعرية على نقل معنى مجرد، مثل الصبر والأمل، إلى مشهد حسي يعرفه الجميع. وهنا لا تكمن قوة الشاعر في تعقيد الصورة، بل في ذكاء اختيار الصورة البسيطة القادرة على حمل معنى عميق.


وتزداد هذه القدرة وضوحا حين يحول الشاعر الدحدوح من شخصية واقعية إلى رمز، فيقول: فيك صورة الفرسان في الإعلام؛ فالشخص يتحول إلى صورة، والصورة تتحول إلى رمز، والرمز يدخل الذاكرة الجماعية.


ومن هنا يمكن القول إن الشعر يكشف عن نمط خاص من الذكاء الإبداعي؛ ذكاء يقوم على الترميز، والتكثيف، والربط، والتخيل، وتحويل التجربة إلى صورة قابلة للبقاء . ولا يعني ذلك أن كل شاعر بالضرورة يمتلك معدل ذكاء مرتفعا وفق اختبارات الذكاء التقليدية، وإنما يعني أن الموهبة الشعرية تستدعي قدرات عقلية وإبداعية مركبة لا تقيسها دائما اختبارات الذكاء وحدها.


ولعل القيمة الأعمق في تجربة الكثيري أن الشاعر استطاع أن يأخذ تجربة شديدة الألم، ثم يعيد تنظيمها في كلمات وصور وإيقاع ولازمة شعبية. وهكذا يصبح الألم معنى، والشخص رمزا، والمكان ذاكرة، والكلمة أرشيفا. وهذه القدرة على تحويل التجربة الإنسانية إلى بناء فني قابل للحفظ والتداول هي، في جوهرها، واحدة من أكثر صور الذكاء الإبداعي وضوحا في الشعر.