آخر تحديث :الجمعة-18 سبتمبر 2026-11:48ص
أدب وثقافة

كتاب ابوبكر الخير وفن القيادة

الخميس - 17 سبتمبر 2026 - 09:08 م بتوقيت عدن
كتاب ابوبكر الخير وفن القيادة
المصدر: كتب المستشار والباحث مختار راجح

الباب الأول


سلطة المدن والهوية


الفصل الأول


أبو بكر حسين... حين تصبح المدينة وطنًا، ويصبح الحضور سلطةً


حين تسلّم أبو بكر حسين محافظة أبين في أعقاب حرب عام 2015، لم تكن المحافظة يومها أرضًا تتسابق إليها الأقدام، ولا سلطةً يتزاحم عليها الطامحون، ولا مدينةً تفتح أبوابها لمن يبحث عن المجد والمغانم؛ كانت مدنٌ أرهقها الخراب، وأحياءٌ أطفأت الحرب أنوارها، ومؤسساتٌ غاب عنها أصحابها، وبيوتٌ بقيت واقفةً بأجسادها، بينما غابت عنها الأرواح.


كان الفراغ سيد المكان، والخوف حارسًا على الأبواب، والنزوح قد بدّل صورة المدينة، حتى بدا لبعض الناس أن العودة إليها ضربٌ من المجازفة، وأن الحياة فيها تحتاج إلى أكثر من قرار إداري.


وفي تلك اللحظة التي كان فيها المنصب يبحث عمّن يحمله، كان أبو بكر حسين يبحث عمّن يحمل المدينة.


لم ينظر إلى أبين بوصفها محافظةً في دفتر السلطة، وإنما نظر إليها بوصفها مسقط الرأس، ومهوى العين، وذاكرة المكان، ووجع الناس.


لم تكن أبين عنده جغرافيا تُدار من بعيد، بل حياةٌ ينبغي أن تُعاش بين أهلها.


وهنا بدأت الحكاية من حيث لا تبدأ الحكايات السياسية عادةً: من السكن، ومن الحضور، ومن مشاركة الناس خوفهم قبل مشاركتهم أمنهم.


---


المبحث الأول


مدينة خاوية... ومسؤول اختار أن يسكنها


لم تكن العودة إلى مدينة خرج منها أهلها أمرًا يسيرًا.


فالناس لا يعودون إلى المكان لمجرد أن المسؤول أصدر بيانًا، ولا تستعيد المدينة نبضها لأن الأبواب الحكومية فُتحت؛ فالمدينة التي ذاقت الخوف تحتاج إلى من يطمئنها قبل أن تطلب من أهلها أن يطمئنوا.


ومن هنا جاءت دلالة انتقال أبي بكر حسين للعيش بين الناس.


كان يستطيع أن يجعل بينه وبين المدينة مسافةً من الحواجز والمكاتب، لكنه اختار أن يجعل بيته في قلب السؤال الذي يواجهه الناس كل صباح: هل أصبحت المدينة آمنةً بما يكفي للحياة؟


فإذا كان المسؤول يسكن فيها، وإذا كان يرى شوارعها بعينيه، ويسمع أصواتها بأذنيه، ويشارك أهلها ليلها ونهارها، فإن حضوره يتحول بذاته إلى رسالة.


رسالة تقول للنازح:


إن عاد الحاكم إلى المدينة، فربما آن للمدينة أن تستعيد أهلها.


وهنا لا يعود السكن مجرد إقامة، بل يصبح فعلًا سياسيًا واجتماعيًا وإنسانيًا؛ لأن السلطة حين تكون قريبة من الناس لا تحتاج دائمًا إلى كثرة الكلام.


إنها تتكلم بالحضور.


---


المبحث الثاني


إقناع الناس بالعودة... حين يسكن المسؤول حيث يخاف الناس


كان أحد أعظم التحديات أن تقنع المواطن الذي غادر مدينته بأن العودة إليها لم تعد عودةً إلى الخوف.


وهذه المهمة لا تنجح بالشعارات وحدها.


فالناس ينظرون إلى أفعال السلطة قبل أقوالها، ويبحثون عن الدليل في الشارع لا في الخطاب.


ومن هنا كان وجود أبي بكر حسين بين الناس يحمل معنى يتجاوز شخصه؛ فقد أصبح حضوره جزءًا من عملية إعادة الثقة بالمكان.


فالرجل الذي يسكن في المدينة الخاوية لا يطلب من الناس بطولةً لا يمارسها.


والذي يضع بيته في المكان الذي هجره الناس يقول لهم، دون خطبة طويلة:


لقد آن للمدينة أن تُعاش من جديد.


وهذه إحدى صور القيادة الهادئة؛ قيادة لا تستعرض قوتها، بل تستعمل حضورها لتعيد للناس قدرتهم على تصديق المستقبل.


---


المبحث الثالث


تأسيس مؤسسات في محافظة كانت تبدو كأنها خرجت من الخريطة


لم تكن المهمة مجرد إعادة السكان.


فعودة الناس من دون مؤسسات تعني عودة الأجساد إلى فراغ جديد.


لذلك كان لا بد من إعادة بناء الوظيفة العامة، وإعادة تشغيل المدارس والمرافق والخدمات، واستعادة صورة الدولة في حياة المواطن اليومية.


وهنا ظهر وجه آخر من تجربة أبي بكر حسين: إعادة بناء الدولة من الأسفل، من احتياجات الناس، لا من عناوين السلطة وحدها.


فالمؤسسة الحكومية ليست جدرانًا وأختامًا.


المؤسسة مدرسةٌ تفتح أبوابها.


ومرفقٌ يستقبل المواطن.


وطريقٌ يُخدم.


ومكتبٌ يجد فيه صاحب الحاجة من يسمع شكواه.


وموظفٌ يعرف أن وراء الملف إنسانًا، لا رقمًا.


وهكذا تتحول المؤسسة من مبنى جامد إلى نبضٍ اجتماعي.


وفي محافظة خرجت من الحرب مثقلةً بالفراغ، كان مجرد إعادة انتظام المؤسسات فعلًا من أفعال استعادة الحياة.


---


المبحث الرابع


هروب مخبئ السلطة... وحضور رجل الدولة


كانت السلطة في ذلك الزمن تبدو في أماكن كثيرة وكأنها قد اختبأت خلف الخوف.


أما أبو بكر حسين، فقد اختار الطريق المعاكس.


لم يختبئ خلف المنصب، بل اقترب به من الناس.


ولم يجعل السلطة قصرًا بعيدًا عن المواطن، بل حاول أن يجعلها بابًا يُطرق.


وهنا تظهر قيمة القيادة في صورتها الأكثر هدوءًا: أن تجعل من وجودك طمأنينةً لا رهبة، ومن منصبك خدمةً لا مسافة.


فالمسؤول الذي يعيش بين الناس يرى ما لا تراه التقارير.


يسمع شكوى الأرملة قبل أن تصل إلى الديوان.


ويرى المدرسة المغلقة قبل أن تكتبها الإحصاءات.


ويعرف الطريق المقطوع قبل أن يتحول إلى بند في محضر.


ويشعر بقلق المواطن قبل أن يصبح القلق قضيةً عامة.


وهذه هي حكمة الحضور.


---


المبحث الخامس


إخراج النازحين من مؤسسات الدولة لاستقامة الخدمة العامة


ومع عودة الحياة، برزت ضرورة أخرى: أن تستعيد مؤسسات الدولة وظيفتها الأصلية.


فالمؤسسة العامة إن تحولت إلى مأوى دائم، تعطلت وظيفتها، وتعطل معها حق المجتمع في الخدمة.


ومن هنا تبرز أهمية إعادة تنظيم استخدام المرافق العامة، بحيث تعود المدارس والمدارس والمكاتب والمرافق إلى وظائفها الاجتماعية والإدارية، مع مراعاة كرامة النازحين واحتياجاتهم الإنسانية وتوفير البدائل الملائمة لهم.


وهذه المعادلة ليست سهلة؛ لأنها تجمع بين حق الإنسان في المأوى وحق المجتمع في استمرار الخدمة العامة.


والقيادة الرشيدة هي التي لا تجعل أحد الحقين ذريعةً لإهدار الآخر.


فلا يُطرد الضعيف بقسوة، ولا تُترك المؤسسة العامة معطلة إلى الأبد.


بل يُبحث عن حل يحفظ الإنسان والمؤسسة معًا.


وهنا تصبح الإدارة فنًا من فنون التوازن، لا مجرد إصدار للأوامر.


---


المبحث السادس


أبين... من فراغ المكان إلى استعادة المدينة


كانت المدينة تحتاج إلى أكثر من الأمن.


كانت تحتاج إلى أن تستعيد صورتها في عيون أبنائها.


فالمدينة لا تقوم بالحجر وحده؛ تقوم بالإنسان، وبالثقة، وبالمدرسة، وبالسوق، وبالمرفق، وبصوت الأطفال في الأزقة، وبالموظف الذي يفتح نافذة مكتبه صباحًا.


ومن هنا فإن إعادة إعمار المدينة في معناها الحقيقي لا تبدأ دائمًا بالإسمنت.


قد تبدأ برجل يقرر أن يسكن فيها.


ثم بمواطن يقرر أن يعود.


ثم بموظف يقرر أن يفتح مكتبه.


ثم بمعلم يدخل مدرسته.


ثم بطالب يحمل حقيبته.


ثم بسوق يعود إليه البائع والمشتري.


ثم تكتشف المدينة ذات صباح أنها لم تعد خاوية.


إنها عادت إلى الحياة.


---


المبحث السابع


رجلٌ ملأ فراغ المؤسسات بحضوره


في لحظات انهيار المؤسسات، قد يصبح الفرد أحيانًا نقطة البداية لإعادة انتظامها، لا بمعنى أن يحل الفرد محل الدولة، وإنما بمعنى أن يتحمل المسؤول مسؤوليته في دفع مؤسسات الدولة إلى العمل.


وهنا يمكن قراءة تجربة أبي بكر حسين بوصفها نموذجًا للقيادة القائمة على الحضور والمبادرة وتحمل المسؤولية.


لم تكن القيمة في أن رجلًا واحدًا يستطيع أن يبني دولة وحده؛ فالدولة أكبر من الأشخاص.


لكن القيمة في أن المسؤول قد يستطيع، عندما يتحمل واجبه بجدية، أن يكون شرارة تشغيل لمؤسسات كادت تتوقف، وأن يحول المنصب من امتياز شخصي إلى أداة خدمة عامة.


وهذا هو الفارق بين من يرى السلطة غايةً، ومن يراها أمانة.


---


المبحث الثامن


رجل لا تُقاس قيادته بعدد المتزاحمين على المنصب


في ذلك الظرف، لم تكن أبين جائزةً يتنافس عليها الطامحون.


كان المكان مثقلًا بالحرب، والفراغ، والخوف، والنزوح.


ومن ثم فإن قبول المسؤولية في مثل تلك الظروف يمكن أن يُقرأ باعتباره قبولًا لحمل عبء ثقيل، لا مجرد اعتلاء مقعدٍ مريح.


وهنا تتجلى صورة أبو بكر حسين كما تُروى في ذاكرة المكان: رجلٌ لم يجد أمامه مدينةً مكتملة، بل وجد مدينةً تحتاج إلى من يؤمن بأنها قابلة للحياة.


ولذلك فإن قيمة التجربة ليست في الزخرف اللفظي حول المنصب، وإنما في السؤال البسيط:


ماذا يفعل الإنسان عندما تُعطى له مدينةٌ مكسورة؟


هل يكتفي بوصف الكسر؟


أم يبحث عن أول حجر يمكن أن يبدأ به البناء؟


وهنا كان اختياره أن يبدأ من الناس.


---


المبحث التاسع


سلطة بلا قطرة دم


ومن أجمل ما يمكن أن يُستخلص من هذه التجربة أن السلطة لا تحتاج دائمًا إلى أن تُثبت وجودها بالقوة.


هناك سلطةٌ أخرى أكثر عمقًا:


سلطة الحضور، وسلطة الثقة، وسلطة الخدمة، وسلطة احترام الإنسان.


فالقيادة التي تستطيع أن تجعل الناس يعودون إلى مدنهم، وأن تعيد المؤسسات إلى وظائفها، وأن تستبدل الخوف بالأمل، لا تحتاج إلى أن تجعل الدم لغةً للإدارة.


وهنا تكمن قيمة العبارة:


رجلٌ تسقط عنده ألفاظ القيادة إذا لم تتحول إلى أفعال، وتسمو عنده محبة الوطن من العاطفة إلى المسؤولية.


فحب الوطن ليس أن تقول إنك تحبه.


حب الوطن أن تقبل أن تسكن في مكانٍ يخشاه الآخرون.


وأن تحمل همّ الناس عندما لا يكون حمله مغنمًا.


وأن ترى في إعادة فتح مدرسة انتصارًا، وفي عودة أسرة إلى بيتها إنجازًا، وفي استقامة مرفق حكومي صورةً من صور استعادة الدولة.


---


المبحث العاشر


عروسٌ هجرها أهلها... فعاد إليها من آمن بجمالها


يمكن النظر إلى أبين في تلك المرحلة كعروسٍ غطى غبار الحرب وجهها، وغابت عنها أصوات أهلها، وأغلقت أبواب كثيرة من بيوتها.


لكن المدن لا تموت بسهولة.


قد تصمت، لكنها لا تموت.


قد تخلو شوارعها، لكنها تحتفظ بذاكرة الذين مروا فيها.


وقد تنطفئ أنوارها، لكنها تنتظر من يشعل أول مصباح.


وهنا تأتي قيمة الرجل الذي لم يرَ الخراب نهايةً للحكاية.


لقد رأى وراء الخراب مدينة.


وراء المدينة أهلًا.


وراء الأهل وطنًا.


وراء الوطن أمانة.


وهكذا يصبح العمل الإداري، في أجمل صوره، فعلًا من أفعال الوفاء.


---


خاتمة الفصل


إن تجربة أبي بكر حسين في أبين، كما تُروى من زاوية الحضور والمسؤولية وإعادة الحياة إلى المدن، تكشف معنى مهمًا في إدارة المجتمعات الخارجة من الحروب:


أن إعادة بناء المدينة تبدأ أحيانًا بإعادة بناء الثقة بها.


والثقة لا تُبنى بالخطابات وحدها، وإنما بالوجود، والخدمة، والمؤسسة، والأمن، واحترام المواطن، وإعادة الوظيفة العامة إلى مكانها الطبيعي.


لقد كانت أبين بحاجة إلى من يقول لأهلها بالفعل قبل القول:


هذه مدينتكم، فلا تتركوها للخوف.


وكان السكن بين الناس إحدى أقوى الرسائل في هذا الاتجاه؛ لأن المسؤول حين يعيش مع الناس، لا يعود يتحدث عن المدينة من خلف أبوابها، بل يصبح جزءًا من يومها وليلها، من قلقها وأملها.


وهنا يمكن أن تُقرأ شخصية أبي بكر حسين في هذه المرحلة بوصفها صورةً لرجل اختار أن يبدأ من المكان الذي هجره الآخرون، وأن يواجه فراغ المدينة بالحضور، وفراغ المؤسسة بإعادة تشغيلها، وفراغ الأمل بإعادة الثقة.


فلم تكن الحكاية حكاية منصبٍ استُلم.


بل حكاية مدينةٍ استُعيدت إلى الذاكرة، وإنسانٍ أُعيد إلى المكان، ومؤسسةٍ أُعيد إليها معناها، ووطنٍ أُعيد إليه بعض نبضه.


وفي السياسة قد يعلو صوت السلطة.


أما في بناء الأوطان، فأجمل الأصوات أحيانًا هو صوت المدينة حين تعود إليها الحياة.