آخر تحديث :السبت-15 أغسطس 2026-05:37م
أدب وثقافة

جماليات القصيدة الشعبية وحضور المنبر في شعر غانم حسين الحمد (اللهيبي)

السبت - 15 أغسطس 2026 - 04:34 م بتوقيت عدن
جماليات القصيدة الشعبية وحضور المنبر في شعر غانم حسين الحمد (اللهيبي)
المصدر: كتب/ مجيب الرحمن الوصابي:

في دنيا الشعر العربي المعاصر أصواتٌ قليلة تلك التي لا تحتاج إلى ضجيجٍ كثير كي تثبت وجودها. يكفي أن يعتلي أحدها المنبر، حتى يحسّ السامع أن شيئا قد تغيّر في المكان والزمان، وأن الكلام لم يعد كلاما يُقال في مناسبةٍ عابرة، بل غدا حضورا إنسانيا يملأ الجوّ ويظلّ عالقا في الأذن والنفس بعد أن يسكت الصوت.


ومن هذه الأصوات التي لقيتها في المهرجان الدولي للأغنية الريفية والشعر الشعبي بالمزونة، صوت الشاعر اللبناني غانم حسين الحمد، هذا الذي يعرفونه بلقب "اللهيبي".


لقيته هناك، قادما من لبنان، يحمل في صوته وفي نظرته شيئا من تعدد المشارب والتجارب. لكنه حين وقف أمام الناس لم يتكئ على ماضيه ولا على ألقابه، بل ترك للشعر أن يعرّف به. وهنا، في هذا الترك، تكمن قيمة الشاعر الحق. فما الشعر في جوهره إلا قدرةٌ على أن يحوّل التجربة الخاصة إلى مساحةٍ مشتركة بين من يقول ومن يسمع، حتى لكأنّ الجرح الواحد يغدو جرحين، والذكرى الواحدة تغدو ذكرى جماعية.


وقد اطّلعت على شيءٍ من نصوصه، فرأيت تجربته تدور في فلكين واضحين: فلك الغزل والحنين والشكوى من ناحية، وفلك الهمّ العربي والقضية الفلسطينية من ناحية أخرى. وليس هذا التنقل بين الفلكين أمرا عرضيا، إنما هو دليل على أن الشاعر لا يرضى أن يحبس نفسه في دائرةٍ واحدة، بل ينتقل من ألمه الخاص إلى ألم الجماعة، في حركةٍ طبيعية لا تكلّف فيها ولا افتعال.


خذ قصيدته الغزلية التي تبدأ بقوله:


"مرسال لكم دزيت عَ جناح طير الراح"


تأمل هذا المطلع. إنه لا يقول إنه أرسل رسالة، بل يجعل الرسالة محمولة على جناح طير، فينتقل بالفعل من الواقع إلى عالم المخيلة الشعبية التي اتخذت من الطير رسولا بين الأحبة منذ أقدم العصور. والألفاظ نفسها-مرسال ودزيت وجناح وطير والراح - تجري في نسيجٍ شفهيٍّ قريب من الغناء، حتى لتحسّ أن القصيدة لا تكتمل بالقراءة الصامتة، بل تستمدّ كمالها من الصوت ومن الإلقاء ومن التنغيم.


ثم يمضي فيقول:


"أداوي قلب وجراح"


وهنا تقوم الثنائية التي تدور حولها القصيدة: الحب لذةٌ وهو في الوقت نفسه جرح. والمعجم الذي يختاره كثيفٌ بالعذابات: جراح وموجوع وأنين ودمع ونواح وأسى وهجر وغدر الزمن. وليس هذا التراكم حشدا اعتباطيا للألفاظ، إنما هو تصعيدٌ تدريجي للحالة حتى تصبح القصيدة أشبه بسيرةٍ وجدانية موجزة.


وهو يعتمد التكرار اعتمادا بيّنا، سواء في القوافي أو في العودة إلى معاني الحب والهجر والرجاء. والقصيدة تتحرك في دائرةٍ نفسية لا تكاد تنقطع: فراق فألم فتذكر فرجاء فمحاولة صلح ثم عودة إلى الألم. ومن أجمل ما في هذه الحركة قوله:


"غدار الزمن يا صاح للصلح أنا باديت"


حيث يخرج من الشكوى إلى المبادرة، فيمنع النص من أن يظلّ أسير النوح وحده. ثم يقول في لغةٍ شعبية مباشرة:


"نيتي الزعل ينزاح"


فيحوّل الزعل إلى شيءٍ يمكن إزاحته عن القلب، كأنه ثقلٌ ماديّ يراد التخلص منه.


وهو يستدعي عناصر الطبيعة كثيرا: الطير والبحر والرياح والعطر والمصباح والتفاح والناي. وليست هذه العناصر زينة تُضاف من خارج، بل هي مرايا تنعكس عليها المشاعر. حين يقول "قصتنا بحر ورياح" فإنه يستعير اضطراب البحر ليصف اضطراب العلاقة. وحين يقول "ذكركم عطر فواح" فإنه يجعل الذكرى رائحة تُشمّ. وحين يقول "تصبحت أنا مصباح" فإنه يفتح الصورة على أكثر من وجه: الانتظار، أو الضوء في العتمة، أو الأمل الذي يأبى أن ينطفئ.


أما تشبيه الخدود بالتفاح فيعود به إلى المعجم التقليدي للغزل الشعبي، حيث تكون الصورة حسية قريبة المنال، لا غامضة ولا مركبة. وهذا اختيارٌ مقصود، يتسق مع طبيعة الشعر الذي يخاطب المنبر والجمهور معا.


وفي موضع آخر يقول:


"ناي وشعر غنيت"


فالناي هنا ليس آلة موسيقية فحسب، بل هو صوت الحنين نفسه، مرتبط في الوجدان العربي بالنواح والبعد. ثم يبلغ نبرة روحية هادئة:


"لله إني دعيت عسى القلب يرتاح"


فينتقل من الشكوى إلى الدعاء، ويمنح القصيدة خاتمة فيها شيء من السكينة.


أما النص الذي يدور حول فلسطين فيكشف الجانب الآخر من شاعريته. منذ المطلع:


"علي راسك وتبسم وافرح يا خال


أنا عربي حر وثاير حجي وأفعال"


ينتقل الضمير من "أنا" العاشق إلى "أنا" العربي الذي يتكلم بلسان الجماعة. والمعجم يتبدل تماما: غزة وفلسطين والقدس والأقصى والعزة والصمود. والجمل تقصر وتزداد مباشرة، والتكرار يشتد، وأسماء المدن -غزة والقدس ويافا وحيفا واللد وعكا-تتحول من مجرد أسماء جغرافية إلى رموزٍ للذاكرة والصمود.


وهو يكتب وفي ذهنه المنبر والجمهور. قصيدته لا تُراد للقارئ المنفرد وحده، بل تُراد أيضا للصوت الجماعي وللترديد. والمباشرة عنده ليست نقصا، بل اختيارٌ فني يناسب تقاليد الشعر الشعبي. الصور في الغزل حميمية قريبة، وفي الشعر الوطني أوسع وأشدّ حماسا. واللغة الشعبية اللبنانية تمنح النص حرارته وصدقه، دون أن تحرمه القدرة على أن يصل إلى السامع العربي أينما كان.


واللهيبي ابن سعدنايل في البقاع الأوسط، تلك البيئة التي تحتفظ في ذاكرتها برائحة الأرض وصور الناس. وتجربته لا تقتصر على الشعر؛ فهو مشتغل بالشأن الاجتماعي والثقافي، وله عناية بعلم النفس وبطب الأعشاب وبالتصوير. وهذه التعددية لا بد أن تنعكس على نظرته إلى الأشياء. وقد حمل صوته إلى منابر في مصر والأردن ولبنان وتونس، وصدر له ديوان عنوانه "موج البحر"، وهو عنوانٌ ذو دلالة؛ فالموج لا يستقر، والشاعر الذي يتنقل بين الأمكنة والموضوعات أشبه بموجةٍ لا تزال تبحث عن شاطئ.


وبعد أعوامٍ طويلة قضيتها في قراءة الشعر والإصغاء إليه، عرفت أن الحكم على الشاعر لا ينبغي أن يقوم على التصفيق، ولا على كثرة المشاركات. إنما المقياس الحق هو: ماذا يبقى من القصيدة بعد أن ينقطع صوت صاحبها؟


ما يبقى من شعر اللهيبي هو قدرته على أن يصل إلى سامعه بلا وساطة، وحسّه الغنائي الواضح، واستثماره اللغة الشعبية في خلق حالةٍ وجدانية يشارك فيها الجمهور. أما الصناعة الشعرية عنده فتميل إلى وضوح الصورة وكثافة الشعور والتكرار الإيقاعي. وهي خصائص تمنح قصيدته حضورها على المنبر، وإن كان الطريق أمامها لا يزال مفتوحا لمزيد من العمق في الصورة، ومزيد من التكثيف في المجاز، ومزيد من الابتعاد أحيانا عن المباشرة إلى ما هو أبعد دلالة. وهذا ليس انتقاصا من التجربة، بل هو تعيينٌ للطريق الذي يمكن أن تسلكه إن أرادت أن تنمو.


كان مهرجان المزونة فرصة للقاء صوتٍ لبناني يحمل في نبرته شيئا من البقاع ودفء القصيدة الشعبية، ثم يقدّمه إلى جمهورٍ تونسي وعربي. وهكذا يكون الشعر الجميل: يقول "أنا من هنا"، ثم يضيف في هدوء: "لكنني لكم جميعا".


بعض الشعراء يمضون ويتركون قصيدة.


وبعضهم يمضون ويتركون أثرا.


وأحسب أن غانم حسين الحمد، هذا الذي يدعونه اللهيبي، ممن يسلكون الطريق الثاني.