آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-08:16م
ملفات وتحقيقات

رحيل صوتٍ من زمن عدن الجميل.. ناصر عبدالحبيب يودّع الشاشة التي منحها عمره

الجمعة - 14 أغسطس 2026 - 03:26 م بتوقيت عدن
رحيل صوتٍ من زمن عدن الجميل.. ناصر عبدالحبيب يودّع الشاشة التي منحها عمره
المصدر: عدن الغد – خاص


فجر اليوم الجمعة، أسدل الستار على رحلة طويلة من العطاء، برحيل الإعلامي والمذيع المخضرم ناصر عبدالحبيب، أحد الوجوه التي ارتبطت بذاكرة إذاعة وتلفزيون عدن، بعد مسيرة مهنية امتدت لعقود من العمل الإعلامي والثقافي والفني.


يرحل ناصر عبدالحبيب اليوم، لكن صوته لا يرحل بسهولة من ذاكرة مدينة عرفت التلفزيون مبكرًا، وصنعت عبر شاشته أجيالًا من المذيعين والفنانين والمثقفين.


كان عبدالحبيب واحدًا من أبناء تلك المدرسة الإعلامية العدنية التي لم تكن ترى المذيع مجرد شخص يجلس أمام الكاميرا ويقرأ الكلمات، بل صاحب حضور وثقافة ومسؤولية ورسالة. مدرسة صنعت أسماء بقيت في وجدان الناس، وكان ناصر عبدالحبيب واحدًا من وجوهها التي رافقت المشاهدين سنوات طويلة.


من فرسان الشاشة العدنية


في تاريخ تلفزيون عدن أسماء كثيرة مرت من أمام الكاميرا وتركت بصمتها، ويظهر اسم ناصر عبدالحبيب ضمن الكوكبة الإعلامية التي صنعت حضور التلفزيون خلال عقود مختلفة، إلى جانب عدد من أبرز مذيعي ومذيعات الشاشة العدنية.


ولم يرتبط حضوره بلون واحد من البرامج، بل ظهر في البرامج الثقافية والمنوعة والمسابقات التلفزيونية، في زمن كان فيه تلفزيون عدن نافذة ثقافية وفنية واجتماعية مهمة للأسرة اليمنية.


ومن المحطات الموثقة في مسيرته تقديمه المسابقة العامة إلى جانب المذيعة أمل بلجون، وهي من البرامج التي قدمتها فضائية عدن وتضمنت فقرات معرفية ومعلوماتية مباشرة للجمهور.


ومع مرور السنوات، تحول ناصر عبدالحبيب من مذيع يعرفه الجمهور إلى واحد من مخضرمي تلفزيون عدن، حتى إن وسائل إعلام وصفته في سنواته الأخيرة بـ**«كبير المذيعين في تلفزيون عدن»**.


وجه بقي في ذاكرة الناس


قيمة ناصر عبدالحبيب لم تكن في عدد البرامج التي قدمها فقط، ولا في عدد السنوات التي قضاها أمام الكاميرا، وإنما في انتمائه إلى حقبة كان للإعلام فيها مذاق مختلف.


حقبة كان المذيع يدخل البيوت بهدوئه واحترامه للمشاهد، وكانت الشاشة تصنع علاقة طويلة بين الناس ومن يظهرون عليها.


ولهذا فإن رحيل ناصر عبدالحبيب ليس مجرد خبر وفاة لمذيع سابق، بل فقدان قطعة أخرى من ذاكرة إعلام عدن؛ تلك الذاكرة التي صنعتها أصوات ووجوه ظلت لسنوات جزءًا من تفاصيل حياة الناس.


أجيال شاهدته، وأجيال عملت معه، وأجيال جاءت من بعده ووجدت أمامها إرثًا إعلاميًا أسهم هو وزملاؤه في بنائه.


«كرّموا الإعلاميين أحياء»


ولعل أكثر ما يجعل رحيله اليوم مؤثرًا، تلك الرسالة التي أطلقها قبل سنوات وكأنها وصية أخيرة للرعيل الذي ينتمي إليه.


ففي نوفمبر 2020، زارت شبكة «صحفي مراقب» ناصر عبدالحبيب في منزله وكرمته تقديرًا لمسيرة عطائه الطويلة. يومها استعاد الرجل ذكريات السنوات الجميلة والعمل في تلفزيون عدن، وقال إن تلك اللفتة أعادت البهجة إلى قلوب الإعلاميين المخضرمين.


ومن منزله وجّه رسالة إلى وزارة الإعلام والحكومة دعا فيها إلى الاهتمام بالكوادر الإعلامية المخضرمة، والاستفادة من خبراتها، وتكريمها قبل رحيلها.


واليوم، بعد نحو ست سنوات من تلك الكلمات، يرحل ناصر عبدالحبيب نفسه.


يرحل الرجل الذي طالب بأن يُقال للمبدع «شكرًا» وهو لا يزال قادرًا على سماعها، وأن تُحفظ كرامة أصحاب العطاء قبل أن تتحول كلمات الوفاء إليهم إلى مراثٍ بعد الوفاة.


وهي رسالة ينبغي ألا تموت بموته.


جيل أعطى كثيرًا ولم يطلب الكثير


كان ناصر عبدالحبيب من جيل إعلامي عمل في ظروف مختلفة، وعاش تحولات كبيرة مر بها تلفزيون عدن واليمن كله، لكنه ظل جزءًا من ذاكرة المؤسسة التي أعطاها سنوات عمره.


وحين جرى تكريمه عام 2020، كان الحديث عنه باعتباره واحدًا من الإعلاميين المخضرمين الذين أفنوا سنوات طويلة في خدمة الإعلام، فيما أشارت مبادرات لاحقة لتكريم الرعيل الأول من الصحفيين والإعلاميين إلى عبدالحبيب بوصفه من أبرز من شملتهم تلك اللفتات التقديرية.


ذلك الجيل لم تكن لديه منصات التواصل الاجتماعي، ولا الشهرة السريعة، ولا ملايين المشاهدات التي تصنع نجمًا خلال ساعات.


كان طريقه إلى الناس أصعب وأطول: موهبة، وثقافة، وتدريب، والتزام، وسنوات أمام الميكروفون والكاميرا حتى يصبح الصوت مألوفًا والوجه جزءًا من ذاكرة الجمهور.


وكان ناصر عبدالحبيب واحدًا من هؤلاء.


عندما يفقد تلفزيون عدن أحد فرسانه


اليوم، لا تفقد أسرة ناصر عبدالحبيب رجلًا عزيزًا عليها فحسب، ويفقد زملاؤه رفيق رحلة فحسب؛ بل يفقد تلفزيون عدن واحدًا من أبنائه الذين حملوا رسالته في مراحل مختلفة.


وتفقد عدن صوتًا ووجهًا من زمنها الإعلامي الجميل.


سيغيب ناصر عبدالحبيب عن الدنيا، لكن أرشيف تلفزيون عدن سيظل قادرًا، كلما فُتحت أبوابه، على إعادة صوته وصورته إلى الحياة.


وهذه ربما أجمل ميزة في حياة الإعلامي: أن يمضي الإنسان، بينما تبقى لحظات من عمره محفوظة بالصوت والصورة، تشهد بأنه مر من هنا، وأنه عمل، وأعطى، وترك شيئًا يستحق أن يُذكر.


رحل اليوم ناصر عبدالحبيب، لكن أسماء الرجال الذين خدموا الناس بالكلمة والثقافة والمعرفة لا تُطوى بمجرد إعلان الوفاة.


إنها تنتقل من شاشة الحاضر إلى ذاكرة المدينة.


سلام على ناصر عبدالحبيب، مذيعًا حمل الكلمة باحترام، وإعلاميًا عاش وفيًا لمهنته، وواحدًا من فرسان تلفزيون عدن الذين سيبقى حضورهم شاهدًا على زمن إعلامي جميل.


رحم الله الإعلامي الكبير ناصر عبدالحبيب، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وزملاءه ومحبيه الصبر والسلوان.


إنا لله وإنا إليه راجعون.