آخر تحديث :الأحد-02 أغسطس 2026-11:49م
ملفات وتحقيقات

استقالة وزير التخطيط وخلافات «الرئاسي»… قراءة في الحيثيات

الأحد - 02 أغسطس 2026 - 04:35 م بتوقيت عدن
استقالة وزير التخطيط وخلافات «الرئاسي»… قراءة في الحيثيات
المصدر: (عدن الغد) أحمد الأغبري:

جاءت استقالة وزير التخطيط والتعاون الدولي، بدر باسلمة، المُعين حديثًا، بالتزامن مع تصريح وزير التربية السابق، عبدالله لملس، هاجم فيه، مجلس القيادة الرئاسي، وقال بنبرة حادة: إن كل عضو أصبح يمثل أتباعه وأنصاره فقط. مطالبًا بإعادة هيكلته.


يؤشر هذا التصريح لجانبٍ مهم من المشكلة، التي تتبدى أكثر وضوحًا في نص استقالة وزير التخطيط والتعاون الدولي، باسلمة؛ وهو الوزير الذي تم تجميد قرار تعيينه، على الرغم من صدور قرار جمهوري بالمنصب الأخير.


إلا أن الخلافات داخل مجلس القيادة الرئاسي، عقب قرار التعديل الحكومي المحدود (الصارد في 23 تموز/يوليو)، انتهت، بعد تدخل سعودي، إلى تمرير قرار تعيين وزير الخارجية، أفراح الزوبة، وبناء عليه أدّت اليمين الدستورية، بينما تم تجميد المعينين الآخرين، وإعادتهما لمناصبهما السابقة، وهما (بدر باسلمة المُعين وزيرًا للتخطيط، وكان يشغل وزير الإدارة المحلية، وعهد جعسوس المُعينة وزيرة للإدارة المحلية، وكانت تشغل وزير دولة لشؤون المرأة).


بعض أعضاء مجلس القيادة اعترضوا على التعيينات الأخيرة، وقالوا إنهم تفاجأوا بصدورها، بينما كان يُفترض أن تُعرض على المجلس، ويتم التوافق عليها قبل إصدارها. وهي ذات المشكلة التي سبق وعانى منها المجلس خلال فترة ما قبل إقالة عضوي المجلس عيدروس الزُبيدي وفرج البحسني، وبلغت أوجها بإصدار الزُبيدي منفردًا حزمة من قرارات رئاسية، من دون الرجوع للمجلس، ردًا على ما اعتبره انفراد رئيس المجلس العليمي بإصدار قرارات، وهو ما تسبب بأزمة حينها.


ما زال مجلس القيادة يمارس صلاحياته منذ نيسان/أبريل 2022 بدون لائحة تنظم عمله. وفي 13 شباط/فبراير 2025، أعلن الفريق القانوني عن الانتهاء من مراجعة مسودة القواعد المنظمة لأعمال المجلس والهيئات التابعة له، بعد أن كانت قد سلّمت مسودتها النهائية أواخر أيار/مايو 2022.


وفي 20 أذار/مارس 2025، سلّمت اللجنة القانونية المكلّفة بإعداد قواعد عمل مجلس القيادة الرئاسي، للرئيس رشاد العليمي مسودة القواعد المنظمة لأعمال المجلس والهيئات التابعة له، بعد مرور قرابة 3 أعوام من إعدادها.


وفي 27 أذار/مارس 2025، صدر قرار رئيس مجلس القيادة رقم (119) لسنة 2025 بشأن القواعد المنظمة لأعمال المجلس، وهيئة التشاور والمصالحة والفريقين القانوني والاقتصادي.


وتنص القواعد المنظمة لعمل المجلس (وهي الوثيقة التنفيذية المُكملة لإعلان نقل السلطة في 7 نيسان/ابريل 2022) على كيفية إدارة أعمال المجلس وتوزيع الاختصاصات واتخاذ القرارات، وتطرّقت لقرارات التعيين وفق الآليات التالية: التوافق، بمعنى أن يتم اتخاذ جميع القرارات داخل المجلس (بما في ذلك التعيينات في المناصب العليا المدنية والعسكرية والأمنية والدبلوماسية) على مبدأ التوافق بين رئيس المجلس وأعضائه، بينما يكون التصويت عند تعذر التوافق، أي في حال تعذر الوصول إلى توافق حول قرار معين (مثل تعيين في منصب معين) يُتخذ القرار بموافقة أغلبية أعضاء المجلس (5 من أصل 8). وإذا تساوت الأصوات أو كان القرار متعلقاً بمسائل سيادية/استراتيجية حاسمة، يُرجح الجانب الذي فيه رئيس المجلس.


أما الترشيحات الصادرة من الحكومة، فبالنسبة لقرارات التعيين في وظائف الإدارة العليا للحكومة كالوزراء، نواب الوزراء، والمحافظين، تُتخذ بناءً على ترشيحات مرفوعة من رئيس مجلس الوزراء إلى مجلس القيادة الرئاسي للبت فيها.


وفي قرار التعديل الوزاري الأخير تضمنت الديباجة جملة «وبناء على عرض رئيس مجلس الوزراء وموافقة مجلس القيادة الرئاسي». واعتراض أعضاء في المجلس يعني أن التعيينات لم تُعرض، ولم تنل موافقة المجلس.


مما سبق فإن استمرار معاناة المجلس من هذه الإشكالية يمكن التنويه به من زاويتن: الأولى حرص رئيس المجلس على الانفراد باتخاذ القرار، وهذه إشكالية قد تكون ثقافية أو سياسية. الثانية حرص الأعضاء على مبدأ المحاصصة في تقاسم التعيينات، باعتبار أن كل عضو له مرشحه الذي ينتمي لفصيله أو يعبّر عنه، بصرف النظر عن الكفاءة والجدارة، وكلا الزاويتين تمثلان إشكالية مؤرقة.


في أيلول/سبتمبر كتب عضو مجلس القيادة الرئاسي فرج البحسني، تدوينة تطرّق فيها لجانب من هذه الإشكالية، قال فيها: منذ تأسيس مجلس القيادة الرئاسي كان إقرار لائحة عمل تنظم مهامه، أولوية عاجلة، لكن ما برز هو تهرّب واضح من إشراك كافة الأعضاء، فتحوّل المسار إلى تسويف ومماطلة لازمت عمل المجلس طوال السنوات الماضية، وخلّفت فراغًا أدارته قوى خفية وفق مصالحها.


القواعد المنظمة لعمل المجلس نصّت على وجوب إعداد لائحة عمل داخلي لتنظيم التفاصيل الإدارية واليومية للمجلس، وبالتالي فاللائحة هي أداة فرعية مشتقة من القواعد المنظمة.


ودعا وزير التربية السابق، عبدالله لملس، إلى إعادة هيكلة مجلس القيادة الرئاسي بما يضمن تمثيله لكل أبناء الشعب اليمني.


وفي ظل الخلافات الحالية التي تعصف بالمجلس، قدّم وزير التخطيط والتعاون الدولي، بدر باسلمة، الجمعة، استقالته من الحكومة، وقال «تأتي خطوة تقديمي للاستقالة لتشكل جرس إنذار وصرخة حيَّة أوجّهها إلى مجلس القيادة الرئاسي والحكومة».


وأضاف أن استقالته «تؤكد بلا شك أن وحدة الصف وهيبة الدولة يجب أن ترتقيا دائماً فوق كل الحسابات والمصالح الضيقة، وتستوجب عملاً جاداً بروح الفريق الواحد».


في قراءته لجوهر المشكلة، يرى الباحث والأكاديمي اليمنيّ، عادل دشيلة، أن هذا مؤشر على وجود مشاكل لا يمكن تجاوزها في إطار مجلس القيادة الرئاسي والحكومة. وأبرز هذه المشاكل هو عدم وجود ضوابط وآليات تنظم اتخاذ القرار، بما فيها قرارات التعيين، وإن كانت هذه الآليات موجودة، لكن هذا مؤشر على أنه لا يتم العمل بها.


وقال: «علينا أن نُدرك أن الحكومة الحالية ليست حكومة محاصصة، ولا حكومة شراكة سياسية، بل عبارة عن مزيج بين هذا وذاك. وبالتالي، تداخلت في هذه الحكومة اعتبارات سياسية وإدارية ومناطقية وإقليمية، وسياسية وحزبية. ولذلك، إذا كان الاعتراض على الطريقة التي اُتخذ بها القرار في التعيين، فيجب ألا ينعكس على عمل المؤسسات، كما يجب ألا تخرج إلى العلن. لكن يبدو أن هناك فوضى في إطار المجلس».


وأضاف: «التعيين بناء على الكفاءة والخبرة غير موجود. هذه الاستقالة تعبير آخر عن الخلافات في إطار مجلس القيادة الرئاسي، وأن كل عضو يريد أن يُعين الشخص الذي هو مناسب بالنسبة له. ولهذا، مصالح البلد تضيع؛ لأن الأمر يُسند إلى غير أهله في كثير من الحالات».


وأردف: «طالما أن التعيين تم بناء على المحاصصة، وكأن الجماعة في مجلس القيادة تتقاسم المناصب، أين هو المواطن؟ أين هي مصالح الشعب؟ ما هي الآليات التي تم من خلالها اختيار هذه الشخصية؟ الآن لو تعود إلى قائمة الحكومة، تجد أنها شُكلت بناءً على اعتبارات سياسية، وليست بناء على الكفاءة إن صح التعبير. ولكن قد نقول إنه من الطبيعي أن تظهر هذه الخلافات في إطار مجلس القيادة؛ لأن الحكم تشاركي إن صح التعبير».


واستدرك: «لكن من غير المنطقي أن تخرج هذه الخلافات إلى العلن. هذه المشاكل في التعيينات، وهذه الفوضى تُدلل على فشل الحكومة أو المجلس. إذا كانت هذه الحكومة أو مجلس القيادة غير قادر على حل إشكالياته الداخلية، فكيف سيكون موقفه في القضايا الوطنية العليا؟ لهذا من حيث المبدأ، واضح أنه لا تُمنح الأولوية في التعيينات للكفاءة والخبرة والجدارة والاستحقاق».


مما سبق؛ بقدر ما تعكس خلافات الرئاسي واستقالة باسلمة واقعا هشا، وهو ما يُسند، في الحقيقة، صناعة القرار في مجلس القيادة، نجد الهشاشة تهيمن عندما يتقزّم الوطن وتتراجع حساباته الوطنية.


نقلاً عن (القدس العربي)