آخر تحديث :السبت-27 يونيو 2026-11:35ص
فن

"للخلف دور".. عندما يعود المسرح إلى عدن حاملاً هموم المجتمع

السبت - 27 يونيو 2026 - 09:31 ص بتوقيت عدن
"للخلف دور".. عندما يعود المسرح إلى عدن حاملاً هموم المجتمع
المصدر: مها انور - عدن الغد

ليس من الضروري أن تكون كل مسرحية عملاً متكاملاً من جميع الجوانب حتى تحقق نجاحها الحقيقي، فبعض الأعمال تكفيها شجاعة الوقوف على الخشبة في التوقيت المناسب لتعلن أن المسرح لا يزال حياً. وهذا ما يمكن قوله عن مسرحية "للخلف دور" التي أعادت الحياة إلى خشبة مسرح الفقيد رائد طه في مديرية المعلا، في خطوة تمثل أكثر من مجرد عرض فني، بل إعلاناً عن عودة المسرح إلى ممارسة رسالته الثقافية والاجتماعية في العاصمة المؤقتة عدن.


المسرحية، من تأليف الفنان ناصر العنبري وإخراج المخرج المسرحي علي حزام، جاءت بروح كوميدية ساخرة، وهي مدرسة مسرحية طالما نجحت في إيصال الرسائل العميقة للجمهور دون مباشرة أو وعظ. فالكوميديا هنا ليست وسيلة للضحك فقط، وإنما أداة لطرح الأسئلة وكشف الاختلالات الاجتماعية بصورة تجعل المتلقي يفكر وهو يبتسم.


بعيداً عن تقييم تفاصيل النص أو الأداء أو العناصر الفنية، فإن القيمة الحقيقية لهذا العرض تكمن في عودة الجمهور إلى المسرح، وعودة المسرح إلى جمهوره. فمنذ سنوات، افتقدت عدن هذا الحضور الثقافي الذي كان يشكل جزءاً من هويتها المدنية، رغم أنها المدينة التي شهدت أول عرض مسرحي في اليمن عام 1905، وكانت لعقود طويلة منارة للفنون والثقافة.


إن مجرد امتلاء المقاعد بالمشاهدين، وعودة الفنانين إلى الخشبة، يؤكد أن المجتمع لا يزال متعطشاً للفن الجاد، وأن المسرح قادر على استعادة مكانته متى ما وجد الرعاية والدعم والإدارة الواعية.


ويحسب لمكتب الثقافة في عدن تبنيه لهذا النشاط، كما يحسب لمحافظ محافظة عدن عبدالرحمن شيخ دعمه لإقامة العرض، وهو دعم لا ينبغي أن يتوقف عند مسرحية واحدة، بل يجب أن يتحول إلى مشروع متكامل لإحياء الحركة المسرحية، من خلال دعم الإنتاج المسرحي، وتأهيل المسارح، ورعاية المواهب الشابة، وإقامة مهرجانات وعروض منتظمة.


لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات التي تمتلك مسرحاً حياً تمتلك مساحة أوسع للنقد والحوار والتوعية. فالمسرح ليس وسيلة ترفيه فحسب، بل منصة للتفكير، ومرآة تعكس هموم الناس، وتناقش قضاياهم بلغة الفن التي تصل إلى الجميع.


وإذا كانت عدن قد اشتهرت يوماً بأنها عاصمة الثقافة والفنون في اليمن، فإن الطريق إلى استعادة هذا الدور يبدأ من خشبة المسرح، لأن الفن كان وسيظل أحد أهم مؤشرات تعافي المدن واستعادة روحها.


إن مسرحية "للخلف دور" ليست نهاية الطريق، بل ينبغي أن تكون البداية، وأن تتبعها أعمال أخرى أكثر جرأة ونضجاً، تعالج قضايا المجتمع وتمنح الفنانين والجمهور مساحة جديدة للالتقاء، حتى يستعيد المسرح مكانته الطبيعية كأحد أهم روافد الثقافة والوعي في العاصمة المؤقتة عدن.