تعيش الوظيفة العامة في اليمن، ولا سيما في المحافظات المحررة، واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا منذ عقود، إذ لم تعد أزمة الموظف مقتصرة على تأخر الرواتب أو محدودية الدخل، بل امتدت لتشمل تعطّل مسار الحقوق الوظيفية، وتجميد الترقيات، وتأجيل التسويات، وتراجع القيمة الحقيقية للأجور بصورة غير مسبوقة. وفي هذا السياق، جاءت القرارات الحكومية الأخيرة الخاصة بزيادة غلاء المعيشة وصرف العلاوات السنوية والإعلان عن التسويات الوظيفية والترقيات العلمية لتمنح الموظفين والأكاديميين جرعة من التفاؤل، قبل أن يتراجع هذا التفاؤل مع إعلان تأجيل أهم تلك الاستحقاقات إلى مرحلة لاحقة دون تحديد موعد واضح.
في جوهر القضية، لا ينظر الموظفون إلى التسويات والترقيات باعتبارها امتيازات إضافية أو منحًا حكومية يمكن تقديمها أو تأجيلها وفقًا للظروف، وإنما باعتبارها حقوقًا قانونية نصت عليها قوانين الخدمة المدنية والجامعات واللوائح المنظمة للعمل الأكاديمي والإداري. ولذلك فإن أي تأخير في تنفيذها لا يُنظر إليه على أنه إجراء مالي فحسب، بل باعتباره تعطيلًا لمسار قانوني وإداري يفترض أن يستمر بصورة منتظمة.
ويزداد هذا الشعور لدى الأكاديميين تحديدًا، لأن الترقيات العلمية تختلف بطبيعتها عن أي امتياز مالي آخر، فهي تمثل اعترافًا بالجهد العلمي والبحثي الذي يبذله عضو هيئة التدريس، وترتبط بمسيرته الأكاديمية ومكانته العلمية قبل ارتباطها بالجانب المالي. ولهذا فإن تأجيل آثارها المالية والإدارية بعد استكمال جميع إجراءاتها يترك انطباعًا بأن قيمة الإنجاز العلمي أصبحت رهينة للظروف الاقتصادية، وهو أمر ينعكس سلبًا على البيئة الجامعية بأكملها.
من الناحية الاقتصادية، يمكن تفهم الضغوط التي تواجه الحكومة في ظل محدودية الموارد، وتراجع الإيرادات، واستمرار الحرب وتداعياتها، إلا أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الاعتراف بوجود أزمة مالية، وإنما في إدارة توقعات الموظفين. فعندما تعلن الحكومة عن حزمة إصلاحات متكاملة تشمل زيادة الرواتب والعلاوات والتسويات والترقيات، فإن الموظفين يبنون آمالهم على تنفيذ جميع هذه البنود، وليس جزءًا منها فقط. وعندما يتم تنفيذ بعض الإجراءات وتأجيل أخرى دون جدول زمني واضح، فإن ذلك يفتح الباب أمام حالة من عدم اليقين ويضعف الثقة في الوعود الحكومية.
ولا يمكن فصل هذا الملف عن التراجع الكبير الذي أصاب القوة الشرائية للموظف اليمني خلال السنوات الماضية. فالراتب الذي كان يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة قبل الحرب أصبح اليوم لا يغطي سوى نسبة محدودة جدًا من تلك الاحتياجات. وتشير المقارنات إلى أن عضو هيئة التدريس الذي كان يتقاضى ما يعادل نحو 1200 دولار شهريًا قبل الحرب، أصبح دخله اليوم لا يتجاوز قرابة 150 دولارًا بالقيمة الفعلية، وهو تراجع يعكس حجم الانهيار الاقتصادي أكثر مما يعكس أي تغيير في الرواتب الاسمية.
وفي ظل هذا الواقع، فإن زيادة بنسبة 20%، رغم أهميتها، تبدو غير كافية لتعويض سنوات طويلة من تآكل الأجور وارتفاع الأسعار. بل إن أي سياسات اقتصادية جديدة، مثل تعديل سعر الدولار الجمركي أو رفع الرسوم، قد تؤدي إلى امتصاص أثر هذه الزيادة خلال فترة قصيرة إذا لم تترافق مع إصلاحات أوسع تحافظ على القوة الشرائية للموظفين.
أما فيما يتعلق بملف الترقيات العلمية، فإن المؤشرات المتوفرة تؤكد أن الجامعات أنجزت الجزء الأكبر من مسؤولياتها. فقد رفعت البيانات المطلوبة، واستكملت المراسلات مع الجهات المختصة، وأُنجزت الفتاوى القانونية والإجراءات الإدارية، وأعيد إرسال أسماء المستحقين أكثر من مرة وفقًا للطلبات الحكومية. وهذا يعني أن التأخير لم يعد مرتبطًا باستكمال الملفات داخل الجامعات، وإنما بمرحلة اتخاذ القرار التنفيذي والتمويل المالي.
وتبرز هنا قضية جوهرية تتعلق باستقلالية الجامعات. فالقوانين المنظمة للتعليم العالي تمنح الجامعات صلاحية منح الترقيات العلمية وفق ضوابط أكاديمية محددة، بينما يبقى الأثر المالي من اختصاص الجهات الحكومية المعنية. ولذلك فإن استمرار الفصل بين الاعتراف الأكاديمي والتنفيذ المالي لفترات طويلة يخلق حالة من الازدواجية تؤثر على استقرار المؤسسة الجامعية وعلى الحافز العلمي لأعضاء هيئة التدريس.
ولا تقتصر آثار تأجيل التسويات والترقيات على الجانب الفردي، بل تمتد إلى الأداء المؤسسي للدولة. فالموظف الذي ينتظر سنوات للحصول على حق قانوني قد يفقد تدريجيًا الحافز على التطوير والإبداع، كما أن استمرار الشعور بعدم الإنصاف ينعكس على مستوى الرضا الوظيفي والإنتاجية، وهو ما تحتاجه الدولة اليوم أكثر من أي وقت مضى في ظل سعيها لإعادة بناء المؤسسات وتحسين الخدمات العامة.
وفي المقابل، فإن الحكومة تواجه معادلة معقدة بين محدودية الإمكانات وكثرة الالتزامات المالية، الأمر الذي يجعل ترتيب الأولويات ضرورة لا مفر منها. غير أن نجاح أي برنامج إصلاحي لا يقاس فقط بقدرته على إدارة الموارد، وإنما أيضًا بقدرته على الحفاظ على الثقة بين الدولة وموظفيها، لأن هذه الثقة تمثل أحد أهم عناصر الاستقرار الإداري والمؤسسي.
ومن هنا، فإن المطلوب لا يقتصر على تنفيذ التسويات والترقيات فحسب، بل يتطلب أيضًا إعلان خطة زمنية واضحة وملزمة تحدد مراحل التنفيذ وآليات التمويل والفئات المستهدفة، بما يمنح الموظفين رؤية واضحة ويحد من حالة الغموض التي تحيط بهذا الملف.
كما أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي ينبغي أن يقوم على معالجة جذور الأزمة، من خلال تنمية الإيرادات، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، وإعادة ترتيب أولويات الموازنة العامة، بحيث تصبح حقوق الموظفين جزءًا ثابتًا من الالتزامات الحكومية لا بندًا قابلًا للتأجيل كلما واجهت المالية العامة ضغوطًا جديدة.
وفي المحصلة، فإن ملف التسويات الوظيفية والترقيات العلمية لم يعد مجرد قضية إدارية تخص شريحة من الموظفين أو الأكاديميين، بل أصبح اختبارًا لمدى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها القانونية، وتعزيز الثقة بمؤسساتها، وإرسال رسالة بأن الإصلاح لا يقتصر على القرارات والإعلانات، وإنما يبدأ بتنفيذ الحقوق التي طال انتظارها. فكلما طال التأجيل، اتسعت الفجوة بين الوعود والواقع، وكلما اقترب التنفيذ، تعززت الثقة بأن الدولة ما زالت قادرة على حماية حقوق موظفيها، حتى في أصعب الظروف الاقتصادية.