آخر تحديث :Sun-12 Apr 2026-10:21AM
أدب وثقافة

ثَرْثَرَة الْيَاسَمِين..

الأحد - 12 أبريل 2026 - 09:06 ص بتوقيت عدن
ثَرْثَرَة الْيَاسَمِين..
كتب/ محمد الجعمي:

لم تغب عن خلدي دمشق، ولا يمامها ولا ثرثرة ياسمينها، ما زال في البال، عطر الصباحات الباردة المترعة بالسحر والجمال..

ولم تغب ليالي الصالحية، وركن الدين، وحي القصور، والمزة وجامع الأكرم، والمسجد الأموي الكبير، ولا قاع المدينة، في ساحة المرجة، والمجتهد، والشيخ سعد، ومساكن برزة، وباب مصلى، كما لم تغب الشام عن ذاكرة أميرها الدمشقي، ذلك "الولد الذي أبحر برحلته الخرافيه وخبأ في حقائبه صباح بلاده الأخضر"

أحببت دمشق قبل زيارتي لها من خلال نزار، وكنت أشعر بجمال الشعر وجلاله وأنا أقرأ:

يا شام، أين هما عينا معاويةٍ وأين من زحموا بالمنكب الشهبا

فلا خيول بني حمدان راقصةٌ زهواً... ولا المتنبي مالئٌ حلبا...

تجولت في دمشق، بصحبة نزار قباني، بين دورها ودروبها، وأسوقها وأبوابها العتيقة، في تلها وقاسيونها، وشممت ياسمينها وحبقها وصفصافها، من ذلك السحر المُقَفَّى الذي انْطَبَع في مُخيلتي، وكون ثقافتي التي اعتز بها، وكان لوالدي الفضل بعد الله في تربية أدبية وطنية، عربية، إسلامية، وإنسانية، حَظِيتُ بها رغم سنوات الأعتقال التي قضاها بعيدا عنا وهو يواصل نضاله من أجل وطن مترع بالمحبة والعدل، يتسع لكل الناس..

لكنه كان قد رسم لي ملامح الطريق؛ فحلقت على بساط الشعر مع نزار إلى الأندلس، تجولت في قصر الحمراء، وجنات العريف في غرناطة، ومررت بقشتالة وطليطلة...

"الزخـرفاتُ أكاد أسمعُ نبـضها

والزركشاتُ على السقوفِ تنادي"

وأنا ما زلت طفلا في ريف "دثينة"، في جنوب اليمن السعيد، وفي سنوات الفتوة، أنا على رمال بحر العرب في عدن، أكتب على الرمل خربشاتي الشعرية، التي يمحوها الموج ويطمرها الزبد، وأمتطي حلمي وأمضي على جناح القوافي والكلمات العذاب،

فقَيَّضَ الله لي زيارتها فشربت من نبعها حتى الثمالة فكان حنيني إلى بردى لا ينقطع وأنا استعيد نزارقباني:

" وأميّةٌ راياتُها مرفوعةٌ... وجيادُها موصولةٌ بجيادِ"

ثم عصفتْ رياحُ الحروبِ بالأوطان، وتباعدتِ الأسفار، بيني وبين الفيحاء دمشق، وفي ذاتِ حُلمٍ ربيعي، وقد شَطَّ المزارُ، فشممتُ شذا يا سمينها الفواح وهو يتدلى من على أكتاف البيوت الدمشقية العتيقة، فكتبتُ

قصيدتي أحلام أندلسية وقد مررتُ بها

كما يمرُّ دمشقيٌ بأندلسي بحسب درويش،

في حين يعود صدى رثاء أحمد شوقي من خلف أزمنة الغياب:

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ...وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ

وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي...جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ

ولان الوجع العربي يضج بالكثير من الأسى ولان دمشق حاضرة الدنيا وعاصمة المجد التليد كتبت قصيدتي

وعنونتها بـ(أحْلاَمٌ أَنْدَلُسِيَّة):

عَلَى وَجَعٍ تضجُّ بهِ الخيَامُ

"ودمعٍ لا يُكَفكَفُ" يا شآمُ

وَلِيلٍ بِالأسَى مَازَالَ يَهْمِي

وَجُرْحٍ كَمْ يَئِنُّ بهِ الكَلَامُ

يبثُ الليلُ أنْسَامَ القَوَافِي

وَمَا تَعِبَ الهَدِيلُ وَلا الحَمَامُ

دمشقُ أَيَا بْنَةَ الألقِ المقفىّ

إذا ما ضَاقَ بِالشِّعرِ المقامُ

إلى "الفردوس" والأحلامُ بيضٌ

ومن بردى يطيرُ بِنَا الجهامُ

إلى حِقَبٍ بِهَا التاريخ يَزْهُوْ

وأزمنةٍ يفيضُ بِهَا السّلامُ

تلألأ في ليَالِي الشّرقِ نَجمٌ

فعمّ النّورُ وَ انحَسَرَ الظلامُ

على عبقٍ تميسُ بِهِ القَوافِي

وشوقٍ في الجوانحِ لا ينامُ

َيَمُرُّ صداكِ في الأحْلامِ شِعْرًا

وَمَا كذَبَ الحنينُ ولا الهُيامُ

بجناتِ العريفِ وَقَدْ ثملنا

ولا سكرٌ هُناكَ وَلا مُدَامُ

هُنَا "الحمراءُ " فالتمعتْ دموع ٌ

و رَفرفَ في مآقِينَا الغمامُ

هُنَا الحمراءُ يا وَجَعَ الأغَانِي

يَفِيضُ عُرُوبَةً هَذَا الرُّخَامُ

يشعُ ّالمَرْمَرُ المُوضُون نُورًا

كمَا يَخْضَرُّ بِالغَرْزِ الوشَامُ

زهور الروض وَشوَشَة السَّوَاقِي

تطوفُ بِهَا البَلابِلُ وَ اليَمَامُ

"أمازيغيةُ " العينين لاحتْ

يفوحُ بِهَا القُرنفلُ والبشَامُ

وظبيٌ من دمشق رَمَى بلحظٍ

كمَا تُرمَى مِنَ القَوسِ السِهَامُ

هُنا يَخْتَالُ هَذَا الصَّرحُ زَهْوَا

أمَا ثَمِلَتْ مِنَ الفَخْرِ الشَّآمُ!

تَطِيْرُ بِنَا الحَكَايَا كُلّ يوم ٍ

ويحملنا إلى بردى الهيامُ

تُذِكِّرُنا لِيَالِي الصَّبْرِ وَعْدًا

من الرّحمَنِ تَتْلُوهُ الأنَامُ

وكيفَ يعِزّنا ربٌ عَزِيزٌ

ونحنُ على أسِرَّتِنَا ننامُ؟!

كان صديقي وزميلي في رابطة شعراء العرب، الشاعر السوري الكبير (عبدالكريم سيفو ) قد قرأ قصيدتي وللتو كتب قصيدة معارضة عارض فيها احلام أندلسية وكان ليل عدن قد انتصف، وعبدالكريم سيفو

Abdul Karim Saifo

دمشقي الهوى، تسيل قوافية عذوبة ورقة، و تهمي "كما تهمي السحائب بالغمام" وهو الشاعر الذي يمر بالقلب "مثلما النسمة من بردى"

يقول عبدالكريم سيفو:

سلامٌ أيها الجعميْ سلامُ

إليك يكون، لو همستْ شآمُ

ألا يا عاشق الحمراء، إنّا

إذا متنا هياماً، لا نُلامُ

هنا من قاسيونَ يشعّ مجدٌ

به التاريخ يشهد، والأنامُ

ومن بردى عيون الشعر تهمي

كما تهمي السحائب والغمامُ

إلى "عدنٍ" رنتْ كلُّ المآقي

كلانا مسّنا موتٌ زؤامُ

ينزّ الجرح في عدنٍ ،فتلقى

دمشقَ تصيح، إذ يمنٌ يُضامُ

هما أختان في مجدٍ وجرحٍ

وليس لعروة الأهل انفصامُ

إنه العشق الذي استوطن في قلوب الشعراء " ألا يا عاشق الحمراء، إنّا..... إذا متنا هياماً، لا نُلامُ"

الم يقل أمير الشعراء شوقي:

يَومَ كُنّا وَلا تَسَل كَيفَ كُنّا.... نَتَهادى مِنَ الهَوى ما نَشاءُ

وعلينا من العفاف رقيبٌ...... تَعِبَت في مِراسِهِ الأَهواءُ

جاذَبَتني ثَوبي العصِيَّ وقالت..... أَنتُمُ الناسُ أَيُّها الشُعَراءُ