في أوقات الحروب والصراعات تتبلور المواقف وتتضح معادن القيادة. إلا أن هناك فئة من المسؤولين تتبع استراتيجية البقاء الشخصي والمصلحي، مبنيةً على حسابات تعتمد على تغليب المنفعة المادية والمنصب على المبادئ أو الواجب الوطني. ويصبح الحفاظ على الامتيازات هو المحرك الأساسي لديهم، فالثروة والمكانة الاجتماعية تمثلان أجزاء هامة من الهوية الشخصية لهؤلاء الوصوليين. والذعر من مصادرة الأملاك والتحول إلى لا شيء يولد في نفوسهم رعباً يدفعهم لتبني أقصى درجات المرونة السياسية والنفاق، في حين تجدهم يميلون إلى استعراض القوة والبلاغة في أوقات السلم أو في الغرف المغلقة حيث لا توجد عواقب أو مخاطر حقيقية، وكأنهم يعوضون شعورهم الداخلي بالجبن أو العجز وقت الأزمات الحقيقية.
وفي خضم هذه الحرب الوجودية التي يخوضها شعبنا بمختلف أطيافه شمالاً وجنوباً في مواجهة مشروع المد الرافضي الذي تتبناه ميليشيات الحوثي الإرهابية الضالة، وفي ظل تفاقم المعاناة الإنسانية والاقتصادية، تبرز للسطح مفارقة موجعة تتمثل في موقف شريحة من القيادات والمسؤولين في مفاصل الدولة، سواء في الوزارات أو في السلطات المحلية بالمحافظات.. فبدلاً من أن يشكل هؤلاء رأس الحربة في الموقف السياسي والعسكري لهذه الحرب، يختار كثير منهم الصمت المطبق وكأن ما يدور على الأرض لا يعنيهم في شيء.
وتتأرجح حياة هؤلاء المسؤولين بين روتين باهت يقتصر على حضور شكلي للمكاتب والانصراف منها، أو الهروب المريح برفقة عائلاتهم إلى عواصم ومدن خارج البلاد ليعيشوا في رفاهية ممولة من مقدرات هذا الوطن ومعاناة أبنائه. وكأن لسان حالهم يقول: «الحفاظ على الكراسي والمكاسب أولاً، وتجنب اتخاذ مواقف واضحة قد تغضب أي طرف مستقبلاً». وكأن الرهان هنا يدور حول انتظار استقرار موازين القوى لضمان البقاء في المنصب بحجة الحياد، أو في أسوأ الأحوال حماية الممتلكات والعقارات التي جمعت بطرق ملتوية خلال سنوات الوظيفة العامة من أن تتم مصادرتها.
إن معارك المصير الوطنية لا تقبل أنصاف الحلول، والوقوف في «المنطقة الرمادية» حين تتعرض الأوطان للدمار ليس حياداً بل خذلان صريح. إن الشارع اليمني الواعي يدرك جيداً أن من يتخلى عن وطنه في ساعة العسرة، وينشغل بتكديس المكاسب وصون الكراسي، قد فقد أهليته لأي دور مستقبلي. فالبقاء للأوفياء، والتاريخ سيكتب بمداد من فخر أسماء الصادقين، ويلفظ إلى هوامش النسيان كل الجبناء والمتخاذلين.