آخر تحديث :الأربعاء-04 نوفمبر 2026-08:14ص

تغيير الوزراء لا يغيّر الفشل: شبكات النفوذ والإنفاق العسكري

الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - الساعة 12:25 ص
نايف حمود العزي


لا تقتصر أزمة حكومة الشرعية على ضعف أداء الوزراء، فالتغيير

الوزاري لا يصل بالضرورة إلى مراكز التحكم في الموارد العامة. ويتضح ذلك في الإنفاق العسكري، حيث تتعدد التشكيلات ومراكز القيادة، وتتوزع قرارات التمويل والتجهيز والتعاقد بين جهات لا تخضع دائمًا لمنظومة موحدة للرقابة والمحاسبة. وفي ظل هذه البنية، تستمر المصالح المرتبطة بالإنفاق رغم تغير الوزراء، لأن النفوذ يستند إلى القدرة على التحكم في الموارد وتوجيه استخدامها.




أولًا: شبكات الظل وتحويل النفوذ إلى ريع


لا يلزم أن تكون شبكات الظل تنظيمًا موحدًا أو هيكلًا سريًا؛ فقد تتشكل من علاقات تجمع مسؤولين وقيادات عسكرية ووسطاء وموردين، وتمنح بعض الأطراف قدرة غير متكافئة على التأثير في توزيع الموارد العامة والحصول على امتيازات.


ويتحدد شكل النفوذ بحسب موقع صاحبه في دورة الإنفاق. فالنفوذ العسكري يظهر في تحديد الاحتياجات والأولو

يات، والإداري في اعتماد المخصصات وإقرار الصرف، والتجاري في الوصول إلى عقود التوريد والنقل والتخزين. وقد تتكامل هذه المواقع في توجيه الموارد نحو جهات بعينها، خصوصًا عندما لا تخضع قرارات التخصيص والتعاقد لمعايير موحدة ومراجعة مستقلة.


اقتصاديًا، ينشأ الريع عندما يتيح موقع أو امتياز مؤسسي الحصول على عائد يتجاوز ما تسمح به المنافسة والشروط المتكافئة، نتيجة التحكم في مورد أو فرصة أو قرار تخصيص. أما الفساد فيتعلق باستغلال الصلاحيات العامة لتحقيق منفعة غير مشروعة. وقد يكون الفساد وسيلة للاستحواذ على الريع، لكن وجود امتياز ريعي لا يثبت وحده وقوع مخالفة قانونية.


وتتجسد فرص الاستحواذ عندما يُستخدم النفوذ في توجيه الطلب أو ترجيح مورد على منافسيه أو التأثير في شروط التعاقد. وتزداد هذه الفرص مع غياب المراجعة المستقلة للكميات والأسعار وشروط التنفيذ والتسليم. عندئذ يصبح الموقع داخل دورة الإنفاق مصدرًا لامتياز اقتصادي، حتى مع بقاء الإجراءات في صورتها الرسمية.




ثانيًا: الإنفاق العسكري ودورة إعادة إنتاج النفوذ


يرتبط الإنفاق العسكري بحجم القوة وتنظيمها وانتشارها ومستوى جاهزيتها. لذلك يفترض أن تستند مخصصاته إلى بيانات دقيقة عن الأفراد والوحدات والمهام والاحتياجات. لكن تعدد التشكيلات ومراكز القيادة يضعف إمكانية بناء تقدير موحد للقوة والالتزامات المرتبطة بها.


تبدأ المشكلة من غياب التطابق بين القوة المسجلة والقوة الموجودة فعليًا. فإذا لم تخضع كشوف الأفراد للمراجعة المستقلة، أمكن استمرار التزامات مالية على أساس أعداد لا تقابلها قوة بشرية فعلية. وينطبق الأمر على احتياجات الوحدات من الوقود والإعاشة والمعدات والتسليح والنقل، إذ يتطلب ضبط هذه النفقات ربطها بحجم القوة وموقعها والمهام الموكلة إليها.


ويؤدي تعدد مراكز القيادة إلى تجزئة الالتزامات العسكرية بين جهات مختلفة، فتتكون موازنات فعلية متوازية يصعب جمعها في صورة مالية واحدة. ولا تقتصر المشكلة على ارتفاع إجمالي الإنفاق؛ بل تمتد إلى تعذر معرفة كلفته الحقيقية ومقارنة الموارد المخصصة لكل تشكيل بما يقدمه من قدرة وجاهزية. ونتيجة لذلك، تضعف قدرة الحكومة على ترتيب أولويات الإنفاق وتحديد الموارد المطلوبة للدفاع.


وتتخذ هذه التجزئة بعدًا مؤسسيًا عندما تحتفظ التشكيلات بقنوات تمويل وتجهيز مستقلة؛ إذ يصبح استقلالها المالي جزءًا من استقلال مراكز قيادتها. وقد تتعارض مصالح المستفيدين من هذه الترتيبات مع توحيد القيادة والرقابة إذا كان التوحيد سيخضع مواردهم لسلطة مركزية ويحد من قدرتهم على إدارة التزاماتهم. ولا يصح افتراض أن كل اعتراض على توحيد التشكيلات تحركه دوافع مالية، لكن المصالح المرتبطة باستمرار الاستقلال المالي تظل عاملًا ينبغي فحصه عند تفسير تعثر الإصلاح العسكري.


ولا يمثل تمويل التشكيلات العسكرية فسادًا في ذاته؛ فالدفاع عن الدولة يتطلب موارد وتجهيزات ورواتب. الخلل يكمن في غياب الصلة القابلة للتحقق بين حجم التمويل والقوة التي يتولاها والمهام التي يؤديها. وعندما يستمر الصرف دون مراجعة هذه الصلة، قد ترتفع الكلفة دون تحسن مماثل في الجاهزية أو القدرة

العسكرية.




ثالثًا: أثر شبكات النفوذ في المالية العامة


يضعف تعدد الجهات المتحكمة في المخصصات وغياب قاعدة موحدة للأفراد والاحتياجات والعقود قدرة الحكومة على حصر التزاماتها وترتيب أولويات الإنفاق. وتصبح تقديرات وزارة المالية أقل دقة، كما يصعب مراجعة الاعتمادات أو تخفيضها عندما ترتبط بمراكز نفوذ تتجاوز سلطة الجهات المالية المختصة.


ويمكن فحص حجم الاختلالات من خلال ثلاثة مسارات: مطابقة كشوف الأفراد بالقوة الموجودة فعليًا واستحقاقاتها، ومقارنة العقود والفواتير بما تم توريده من حيث الكميات والأسعار، ومراجعة الاعتمادات في ضوء الاحتياجات والمهام الفعلية. وتساعد هذه المطابقات في كشف المدفوعات التي لا يقابلها أفراد أو سلع أو خدمات قابلة للتحقق، وتحديد الالتزامات التي يمكن ضبطها أو إعادة توجيهها.


ولا تمثل كل فجوة مالية دليلًا على الاستحواذ أو الفساد؛ فقد تنتج عن ضعف التخطيط أو سوء تقدير الاحتياجات أو تغير الأسعار أو قصور التنفيذ. لذلك يتطلب تحديد الموارد التي جرى توجيهها بصورة غير مشروعة التحقق من طبيعة المخالفة ومسؤولية الأطراف عنها، بعد استبعاد الفروق التي تفسرها أسباب تشغيلية أو محاسبية.


وتنعكس هذه الاختلالات على توزيع الموارد العامة؛ إذ قد تستمر بعض الالتزامات رغم تراجع الإيرادات، فيما تتعرض الرواتب المدنية والخدمات والاستثمارات العامة لضغوط أكبر. كما أن غياب الصلة بين كلفة الإنفاق العسكري والجاهزية المتحققة يحرم الحكومة من أساس موثوق لتقييم كفاءته وإعادة ترتيب أولوياته.


ويمتد الأثر إلى النشاط الاقتصادي ومعيشة السكان. فتأخر الرواتب يخفض الدخل المتاح للأسر والطلب على السلع والخدمات، ويضغط على المتاجر والمنشآت الصغيرة. كما يؤدي تقليص الاستثمار العام والصيانة إلى انحسار عقود الأعمال وفرص التشغيل، وقد يرفع كلفة النشاط الخاص مع تدهور الخدمات والبنية الأساسية.


وتتداخل هذه النتائج مع عوامل أخرى تضغط على المالية العامة، منها تراجع الإيرادات وتعطل قطاعات إنتاجية واضطراب النشاط الاقتصادي. غير أن استمرار الالتزامات التي يصعب ضبطها يقلص قدرة الحكومة على مواجهة تلك الضغوط وحماية الإنفاق ذي الأولوية.




رابعًا: تغيير الوزراء دون تغيير مراكز النفوذ


قد يتولى وزير جديد منصبه دون أن يمتلك صلاحية مراجعة كشوف القوة أو ضبط المشتريات أو إلزام الجهات النافذة بتقديم بياناتها وحساباتها.

وعندما تبقى هذه الاختصاصات موزعة بين جهات لا تخضع لسلطته الفعلية، تتسع الفجوة بين مسؤوليته عن إدارة القطاع وقدرته على ضبط موارده.


وتتحمل الرئاسة مسؤولية توزيع الصلاحيات وإخضاع مراكز النفوذ للمساءلة، فيما تتحمل الحكومة مسؤولية مراجعة الالتزامات وكشف مسارات الإنفاق. ويظل توحيد المؤسسة العسكرية ناقصًا ما لم تقترن وحدة القيادة بوحدة التمويل والرقابة والمحاسبة.


ويتطلب الإصلاح سجلًا موحدًا للقوة العسكرية يربط هوية الفرد بتشكيله ووحدته وموقع خدمته واستحقاقاته، بما يمنع ازدواج التسجيل والصرف. كما يتطلب إدراج الاعتمادات والالتزامات والتعاقدات والمدفوعات ضمن منظومة موحدة للإدارة المالية العامة والمحاسبة الحكومية (AFMIS)، تتيح تتبع المعاملة من اعتمادها حتى تسويتها ومراجعة مستنداتها. ولا يكفي توفير الأنظمة تقنيًا؛ بل يجب إلزام الجهات بإدخال بياناتها، وتوحيد الحسابات والتصنيفات، وإخضاع الصرف والتعاقدات لرقابة مستقلة.




خاتمة


تغيير الوزراء لا يمس جوهر المشكلة ما دامت مراكز التحكم في الإنفاق تحتفظ بقدرتها على توجيه الموارد وحماية امتيازاتها. وتظل قدرة الحكومة على إصلاح المالية العامة محدودة ما لم تنتقل سلطة إدارة الالتزامات العسكرية ومراجعتها من مراكز النفوذ المتعددة إلى مؤسسات خاضعة للمساءلة.