لم يعد السؤال المطروح على طاولة العواصم العربية هو "متى تنسحب الولايات المتحدة من المنطقة؟" بل "ما الذي يملئ الفراغ بعد تراجع يقين الحماية الأمريكية؟". هذا التحول لم يكن نتيجة قرار استراتيجي واحد، بل حصيلة تراكم سياسات "إدارة الأزمات" التي انتهجتها واشنطن لعقود، فأنتجت فراغاً أمنياً إقليمياً دفع دول المنطقة إلى البحث عن مسارات استراتيجية بديلة. ولعل "حلف مكة" الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان هو أبرز تجليات هذا البحث وأكثرها ارتباطا بمستقبل اليمن في مواجهة الانقلاب الحوثي. لكن السؤال الأعمق الذي تفرضه المرحلة هو هل يكفي الغطاء الإقليمي والخطاب العسكري لتحقيق "الحسم" المعلن في ظل عجز بنيوي في إدارة المناطق المحررة؟
من "تفكيك المفكك" إلى الفراغ المدار
حيث نرى أن السياسة الأمريكية في المنطقة العربية اتخذت من "إدارة الأزمات" ستارا لاستراتيجية أوسع تستهدف إعادة رسم الخرائط وتفكيك الدول بدءا من موجات "الربيع العربي" وصولا إلى الصراعات المسلحة والميليشيات الانقلابية في اليمن والسودان والصومال. غير أن قراءة أدق للمشهد تكشف أن ما يجري أقرب إلى فراغ أمني مدار منه إلى مخطط تفكيك ممنهج وهنا اعن بذلك ان واشنطن لم تعد قادرة على فرض إرادتها كما في السابق لكنها في الوقت ذاته غير مستعدة للتخلي عن أدوات نفوذها فأنتجت سياسة "مناورة تفاعلية" تفضل الاستقرار السلبي على الحلول الجذرية مع الأسف
وهذا التذبذب انعكس سلبا حتى على مصالح الغرب نفسه. فالمواجهة الأمريكية-الإيرانية الممتدة إلى البحر الأحمر لم تزعزع استقرار المنطقة العربية فحسب بل رفعت كلفة المخاطر على التجارة الدولية وألقت بظلالها على الاقتصادات الأوروبية التي تواجه تحشيدات مجتمعية متصاعدة تطالب بإعادة الاستقرار المعيشي. وهكذا تحولت "إدارة الأزمات" من أداة لضبط المنطقة إلى مصدر لإنتاج أزمات عابرة للحدود.
تراجع اليقين الأمريكي وصعود التكتلات الإقليمية
الأثر الأعمق لهذا التراجع ليس عسكريا بل نفسي واستراتيجي فقد اهتزت الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية وتولدت قناعة إقليمية بأن الاعتماد الأحادي على واشنطن لم يعد كافيا من هنا برزت تكتلات الردع الإقليمية وعلى رأسها "حلف مكة" الذي وقع في أغسطس ٢٠٢٦ بين السعودية وتركيا وباكستان ودخلت آلية "الدفاع الجماعي" حيز التنفيذ الفوري في أكتوبر من العام نفسه مع نشر قوات في السعودية لمواجهة التهديدات الإيرانية ووكلائها
لكن هذا التحالف ليس مجرد "رد فعل" على الانسحاب الأمريكي بقدر ما هو تعبير عن إرادة إقليمية في بناء هيكل أمني مستقل قابل للاختيار لتجنب تفاقم الهشاشة الاستراتيجية. وهو في جوهره دفاع جماعي وليس تحالفا لتصفية الصراعات وهذه نقطة جوهرية عند الحديث عن حال بلدنا
اليمن من قضية داخلية إلى هدف جماعي
في الثاني من نوفمبر ٢٠٢٦م كشفت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا عن وجود ٢١ خبيرا عسكريا إيرانيا ولبنانيا ١٤ من الحرس الثوري و٧ من حزب الله
يعملون داخل ميليشيا الحوثيين في ست محافظات موزعين على ملفات الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية وتوجيه الأهداف البحرية. ووصفتهم الحكومة بأنهم "هيئة أركان كاملة" وليسوا مجرد فريق تدريب.
هذا الكشف يمنح "حلف مكة" تبريرا عمليا للتحرك فإذا كان الحوثيون وكيلا مباشرا لإيران فإن تهديدهم للملاحة البحرية والبنية التحتية النفطية السعودية هو تهديد لأعضاء الحلف الثلاثة مجتمعين. وبذلك ينتقل الحوثيون من "قضية يمنية داخلية" إلى "هدف جماعي إقليمي"، وهو تحول نوعي في بنية الصراع.
وفي المقابل يبقى الموقف الأمريكي عند حدود "دعم إيران هو ما يجعل الحوثيين أقوياء" دون استعداد لتحمل العبئ الأمني البري في اليمن. وهذا يترك المجال أمام دول الخليج للعمل مباشرة لكنه يعني أيضا أن الضغط العسكري الإقليمي قد يتصاعد دون أن يقابله إطار سياسي واضح.
"فجر اليمن": إعلان الحرب أم إعلان النوايا؟
في الرابع من أكتوبر ٢٠٢٦أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي انطلاق عملية "فجر اليمن"، واصفا إياها بمعركة استعادة الدولة وبسط سلطة مؤسساتها على كامل التراب الوطني. وبعد ساعات أعلن التحالف بقيادة السعودية مشاركة مئة طائرة مقاتلة وتدمير عشرات الاهداف عالية القيمة فيما أعلنت القوات الحكومية الاقتراب من السيطرة على باب المندب والمخا
واعتقد هنا انه على مستوى الخطاب مثّل الإعلان نقلة نوعية الانتقال من "الاستعداد والتهيئة" إلى "التحرير" ومن إدارة الأزمة إلى محاولة الحسم. لكن على مستوى البنية فإن السؤال الذي طرحناه مسبقا لا يزال هل تملك الحكومة القدرة على تحويل هذا الحشد إلى عملية عسكرية متصلة قادرة على تغيير خريطة السيطرة؟
حيث نرى انه بعد شهر من انطلاق العملية بدأت الصورة تتضح تقدم في الجوف وحويشان ومواجهات في تعز ولحج وأسر عناصر من المليشيا لكن الحديث عن صنعاء وصعدة لا يزال مؤجلا إلى مراحل لاحقة وهذا يعني أن الحسم المعلن يتحرك بسرعة الواقع لا بسرعة الخطاب
المجلس الرئاسي شرعية الإعلان مقابل عجز الإدارة
والمفارقة الأكثر إيلاما هي أن الجهة التي أعلنت الحرب على "مليشيا انقلابية" هي ذاتها الجهة التي فشلت في إدارة المناطق الخاضعة لها بمقومات الحد الأدنى من الدولة. فمجلس القيادة الرئاسي منذ تشكيله لم يستطع تجسيد حالة استقرار أمني أو سياسي أو اقتصادي ملموسة في المحافظات التي يديرها حيث ان الأزمة المعيشية تفاقمت إلى مستويات غير مسبوقة.
أرقام الانهيار تتحدث عن نفسها سعر صرف الدولار تجاوز ٢٠٠٠ ريال في المناطق الخاضعة للشرعية بعد أن كان الريال قد فقد نحو ٩٠٪ من قيمته الشرائية مقارنة بما قبل الحرب. سلة الغذاء الشهرية لأسرة واحدة في عدن ارتفعت إلى ٢٤٠ ألف ريال في مدينة يعيش فيها مئات الآلاف على حدود الفقر. ووفقا لتقارير محلية بلغ سعر بيع الدولار في عدن ٢٥٠٥ ريالات في مرحلة ما مع اقتراب الريال السعودي من ٧٠٠ ريال.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات اقتصادية نتذكرها بل هي مؤشر على عجز سياسي. فالحكومة التي تعلن الحرب لاستعادة الدولة عاجزة عن صرف رواتب موظفيها بانتظام وعاجزة عن تأمين الكهرباء في مدينة تعزم بالعاصمة لسطلتها عدن وعاجزة عن وقف التدهور الحر للعملة. والأخطر من ذلك أن قياداتها العليا تتقاضى رواتبها بالعملة الأجنبية وتعيش خارج البلاد بينما يكتوي المواطن بنار التضخم.
مع الأسف المعركة بلا ظهر
المشكلة ليست في ضعف الإمكانات العسكرية ولكنها في غياب الحاضنة المجتمعية التي تخاض بها أي معركة مصيرية فالمجلس الرئاسي لم ينجح في بناء علاقة ثقة مع المواطن في المناطق التي يفترض أنه يحكمها بل على العكس ثمة قناعة شعبية متصاعدة بأن الطبقة السياسية في عدن لا تختلف كثيرا عن خصمها في صنعاء في ممارسات الفساد وإهدار المال العام
هذا الانفصال بين السلطة والمجتمع يظهر بوضوح في الاحتجاجات المتكررة في حضرموت وعدن ضد انهيار العملة وتدهور الخدمات. كما يظهر في غياب أي زخم شعبي حقيقي حول "فجر اليمن"، باستثناء بيانات التأييد الرسمية واللقاءات المنسقة هنا وهناك التأييد الرسمي شيء والاصطفاف الشعبي شيء آخر.
الحوثيون بممارساتهم القمعية وانتهاكاتهم لحقوق الإنسان ليسوا بديلا مقبولا لكن هذا لا يعني أن البديل القائم يقدم نفسه كخيار أفضل فالمعركة ضد الانقلاب لا تكسب بالطائرات وحدها بل بشرعية الأداء اليومي راتب يصرف كهرباء تعمل عملة تستقرر مواطن يشعر أن دولته موجودة
ومع الاسف نرى ان المؤشرات المتاحة ترجح أن المرحلة القادمة في اليمن لن تشهد حسما عسكريا بالمعنى التقليدي وربما خفض تصعيد تحت الضغط مع تأجيل التسوية السياسية فالسعودية تريد إزالة تهديدات وليس وقف تهديد الحوثيين لبنيتها التحتية والملاحة البحرية وليس بالضرورة القضاء عليهم ومن هنا فإن السيناريو الأكثر احتمالا هو
وكما هو ملاحظ لدينا عسكريا يتلقى الحوثيون ضربات موجعة من آلية الدفاع الجماعي تفقدهم قدراتهم الهجومية البحرية والجوية بشكل تدريجي
سياسيا يدفعون إلى طاولة المفاوضات تحت وطأة العزلة والضغط لكن من دون إزالة كاملة في المدى القريب مع الأسف الشديد
إقليميا يترسخ "حلف مكة" كإطار أمني بديل ما يقلص مساحة المناورة الأمريكية في الملف اليمني
داخليا يستمر الاستنزاف الطويل في الجبهات المفتوحة مع تقدم بطيء ومكلف وتراجع سقف التوقعات من "تحرير صنعاء" إلى "تثبيت الجبهات" بينما تتراكم نقمة اجتماعية لا تجد قناة سياسية فتنفجر في احتجاجات معيشية بدل أن تتحول إلى طاقة دعم للمعركة.
والى ذلك السياق
وكما هو في قراءتي الشخصية فاننا نرى ان ما يجري في المنطقة ليس "تفكيكا مفككا" تقوده واشنطن بوعي استراتيجي كامل بل هو تراجع أمريكي جزئي عن ترك فراغ تملؤه دول المنطقة بأدواتها الخاصة و"حلف مكة" هو أحد هذه الأدوات وأكثرها ارتباطا بمستقبل بلدنا لكن الدفاع الجماعي ليس حلا للصراع بقدر ما نراه بانه أداة لإدارة أعراضه
وبالتالي فإن السؤال الحقيقي أمام اليمن ليس "هل يتراجع الحلف عن دعم الشرعية؟" بل "هل يستطيع تحويل الردع العسكري إلى تسوية سياسية دائمة؟" وهذا ما لم تجب عنه اتفاقية أغسطس ٢٠٢٦ بعد. والأهم من ذلك هل يستطيع مجلس القيادة الرئاسي، قبل أن يطلب من الشعب الاصطفاف خلف معركة "فجر اليمن"، أن يقدم له الحد الأدنى من دولة تُصرف فيها الرواتب، وتعمل فيها الكهرباء، ويستقر فيها الريال؟ فالمعركة ضد الانقلاب لا تُكسب بالطائرات وحدها، بل بشرعية الأداء اليومي. وبدون إصلاح جذري في إدارة المناطق المحررة محاسبة الفاسدين، وانتظام الرواتب، واستعادة الخدمات الأساسية، وبناء شراكة حقيقية مع المجتمع — ستظل "فجر اليمن" عملية عسكرية بلا ظهر شعبي، ومعركة تُخاض بأدوات الدولة بينما الدولة نفسها غائبة عن حياة الناس.
تقديرنا للجميع