ليس من السهل أن تكون رجلًا يمنيًا، تحمل مسؤولية أسرةٍ كاملة، وتسعى لتوفير حياةٍ كريمة لها في ظل ظروفٍ لا ترحم. أن تستيقظ كل صباح، وفي ذهنك ألف حساب، ثم تخرج بحثًا عن رزقك، وأنت لا تعرف هل ستعود بما يكفي لسدّ احتياجات يومك، أم ستعود محمّلًا بخيبةٍ جديدة تخفيها خلف ابتسامة عابرة.
في اليمن، لا يقتصر تعب الرجل على ساعات العمل الطويلة، بل يمتد إلى التفكير الذي يرافقه حتى حين يضع رأسه على وسادته، يفكر في إيجار المنزل، وقوت أطفاله، واحتياجات زوجته، ومصاريف الدراسة، وثمن الدواء إن مرض أحدهم. وقد يجد نفسه أمام احتياجاتٍ كثيرة ويدٍ لا تملك إلا القليل، فيضطر إلى ترتيب الضرورات، وتأجيل ما يستطيع تأجيله، وكأن الحياة قائمةٌ على معادلةٍ لا تسمح له بأن يربح كل شيء.
أقسى ما في المسؤولية أن تكون مسؤولًا عن احتياجات أشخاصٍ تحبهم، بينما لا تملك دائمًا القدرة على تلبيتها. وقد يطلب طفله شيئًا بسيطًا، فيجيبه بأنه سيحضره له غدًا، لا لأنه يريد تأجيل فرحته، بل لأنه يأمل أن تكون ظروف الغد أفضل. وقد يرى احتياجًا في منزله، فيؤجله حتى تتوفر قيمته، وقد يخفي قلقه عن أسرته كي لا يجعلهم يحملون همومًا تكفيه وحده.
ليس كل صمتٍ دليلًا على الراحة، ولا كل ابتسامةٍ تعني أن الأمور بخير؛ فبعض الرجال يتقنون إخفاء التعب لأنهم يشعرون أن عليهم البقاء أقوياء مهما اشتدت الظروف. لكن من يسأل عن الرجل الذي اعتاد الجميع أن يسألوه عمّا يحتاجون إليه؟ من ينتبه إلى تعبه حين يعود إلى المنزل؟ ومن يتذكر أنه، رغم كل ما يتحمله، إنسانٌ يحتاج إلى الراحة والتقدير والشعور بالأمان؟
إن الرجل لا يحتاج إلى أن يُمدح لأنه تحمّل مسؤولياته فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى أن يُقدَّر سعيه، وألّا تُقاس قيمته بما يستطيع توفيره وحده، فهناك فرقٌ كبير بين رجلٍ لا يريد أن يتحمل المسؤولية، ورجلٍ يسعى بكل ما يستطيع، لكن الظروف تقف أحيانًا أكبر من قدرته. ولا يعني ذلك أن المسؤولية تعفيه من واجباته تجاه أسرته، بل إن الحياة الأسرية تحتاج إلى التفاهم والمشاركة والرحمة، لا إلى أن يحمل أحد الطرفين كل الأعباء وحده.
ولعلّ ما يستحقه الرجل اليمني ليس كلمات الشفقة، بل فرص عملٍ تحفظ كرامته، وظروف معيشةٍ أكثر إنصافًا، وحياةً لا يصبح فيها توفير أبسط الاحتياجات معركةً يومية تستنزف عمره وصحته. فخلف كثيرٍ من البيوت حكاياتٌ لا يعرفها أحد، وخلف بعض الموائد رجلٌ بذل جهدًا كبيرًا كي لا ينقصها شيء، وخلف عبارة الحمد لله قد تختبئ مخاوف لم يجد صاحبها وقتًا حتى ليعترف بها لنفسه.
إن الرجل الذي يسعى طوال عمره ليمنح أسرته حياةً كريمة، يستحق هو أيضًا أن يعيش حياةً كريمة؛ لا أن يقضي عمره كله في تأمين حياة الآخرين، وينسى أن له من الحياة نصيبًا.