لم تعد جبهة الصبيحة مجرد خط مواجهة مع مليشيات الحوثي، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لجدية التعامل مع الجبهات ذات الأهمية الاستراتيجية، فموقعها الرابط بين لحج والمناطق المتاخمة لتعز، وقربها من الساحل الغربي وباب المندب، يفرضان التعامل معها باعتبارها جبهة لا تحتمل الإهمال أو تأجيل القرارات الضرورية.
السؤال لم يعد عن أهمية الصبيحة، بل عن حجم الإسناد المقدم لها، ومدى استعداد القيادات المعنية لتحمّل مسؤولياتها قبل أن تتفاقم المخاطر.
إسناد يجب أن يواكب أهميتها
تفرض الجغرافيا على القيادات العسكرية والسياسية حسابات واضحة، فالصبيحة تقع في نطاق حيوي تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية والأمنية، وأي اختلال في توازن الجبهة قد يزيد الضغوط على المحاور المجاورة. وهذا لا يعني أن تدهور الوضع أمر حتمي، لكنه يجعل الاستعداد المبكر ضرورة لا تقبل التسويف.
ومن هنا، فإن الاكتفاء بإدراك أهمية المنطقة، من دون ترجمة ذلك إلى إجراءات عملية، يفرغ الحديث عن مكانتها الاستراتيجية من مضمونه. فالجبهات لا تُحمى بالتقديرات وحدها، وإنما بجاهزية فعلية، وإمدادات منتظمة، وقيادة قادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
لا يجوز ترك أبناء الصبيحة وحدهم
أثبت أبناء الصبيحة حضورهم في مواجهة الحوثيين، وقدموا تضحيات تستحق التقدير. لكن التضحيات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للاعتماد على قدرة المقاتلين على الصمود مهما بلغت التحديات.
ليس من المنطقي مطالبة المقاتلين بمواصلة الصمود، من دون ضمان متطلبات الصمود نفسه. فالمسؤولية تقتضي توفير الإسناد اللازم، ومعالجة أوجه القصور، وضمان التنسيق بين التشكيلات العسكرية، وتحديد المسؤوليات القيادية بوضوح. أما تشتت القرار أو تأخر الاستجابة للاحتياجات، فيضعف الاستفادة من الإمكانات المتاحة ويزيد الأعباء على القوات الموجودة في الميدان.
والأهم أن تتحول الوعود والمواقف المعلنة إلى إجراءات يمكن قياسها بنتائجها، لا أن تبقى في حدود التصريحات والإشادة بالتضحيات.
باب المندب يضاعف أهمية الاستقرار
إن قرب الصبيحة من مضيق باب المندب يمنحها أهمية تتجاوز نطاقها المحلي، بالنظر إلى ارتباط المنطقة بالساحل الغربي وحساسية الممرات البحرية المجاورة. ولا يعني ذلك أن أي تصعيد بري سيهدد الملاحة تلقائياً، لكنه يعزز ضرورة منع اتساع الاضطرابات وحماية الاستقرار في هذه المنطقة الحيوية.
من يتحرك قبل فوات الأوان؟
المطلوب اليوم واضح: تقييم واقعي لاحتياجات الجبهة، ورفع الجاهزية، وتأمين الإمدادات، وتوحيد القرار والتنسيق، ومحاسبة الجهات المسؤولة عن تنفيذ المهام الموكلة إليها وفق الأطر المعتمدة.
فإذا كانت الصبيحة بهذه الأهمية الاستراتيجية، فلماذا لا يواكب إسنادها هذه الأهمية بصورة واضحة وملموسة؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه القيادات المعنية، لا بالشعارات، بل بالقرارات والنتائج. فالاختبار الحقيقي لا يبدأ بعد تدهور الأوضاع، وإنما بمدى القدرة على منع ذلك.
الخلاصة.. الصبيحة لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى قرار حاسم وإسناد فعلي قبل أن تفرض التطورات الميدانية واقعاً أكثر كلفة. فالمسؤولية هنا واضحة، ولا مجال لتبادلها أو تأجيلها: على القيادات المعنية أن تتحرك الآن، وتترجم أهمية الجبهة إلى دعم ملموس، وتضمن جاهزية القوات وقدرتها على أداء مهامها.
إن ترك أبناء الصبيحة يتحملون أعباء المواجهة وحدهم، رغم الأهمية الاستراتيجية لجبهتهم، لا يتناسب مع حجم المسؤولية الوطنية المفروضة على الجهات المعنية. فالتضحيات لا تُصان بالشعارات، والجبهات لا تُحمى بالتطمينات، والأخطار لا تُواجَه بانتظار وقوعها.
الصبيحة اليوم أمام استحقاق لا يقبل المماطلة: إسناد يوازي أهمية الجبهة، وقرار موحد يضع حماية المنطقة وسلامة مقاتليها في مقدمة الأولويات. أما استمرار التأخير، فلن يكون مجرد تأخر في اتخاذ القرار، بل مخاطرة تتحمل الجهات المسؤولة تبعاتها. فالوقت المناسب للتحرك هو الآن، قبل أن تصبح كلفة التقاعس أكبر من قدرة الجميع على احتوائها.