آخر تحديث :الجمعة-23 أكتوبر 2026-11:11ص

حصار تعز: مأساة مدينتنا المنسية والمساءلة الغائبة للمنظمات الأممية

الخميس - 22 أكتوبر 2026 - الساعة 09:02 م
محمد ناجي


لا تزال مدينة تعز تعيش فصول واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية في التاريخ اليمني الحديث؛ حيث يطبق الحصار الخانق المفروض على منافذ المدينة عامه الحادي عشر. هذا الحصار لم يكن مجرد تكتيك عسكري، بل تحول إلى أداة عقاب جماعي ممنهجة استهدفت ملايين المدنيين في أدق تفاصيل حياتهم اليومية، محولاً تنقلاتهم عبر الطرق الجبلية الوعرة والمميتة كطريق الأقروض وهيجة العبد إلى رحلات يومية محفوفة بالخطر والموت.

ومع استمرار هذه المعاناة التي تكتوي بنارها كل أسرة في تعز، يتصاعد تساؤل مشروع يتردد في الأوساط الشعبية والمحلية: أين هو الدور الحقيقي لمنظمات الأمم المتحدة؟ ولماذا أُفرغ هذا الملف الإنساني من جوهره ليتحول إلى ورقة ابتزاز سياسي تتعثر أمامها كل المبادرات الدولية؟

واقع تعز: الموت قنصاً والهلاك حصاراً

يعيش أبناء تعز واقعاً مأساوياً يتجاوز مجرد إغلاق المنافذ، مجسداً في تفاصيل قاسية:

* معاناة الطرق والمسافات: تحولت الرحلة التي كانت تستغرق دقائق معدودة بين أطراف المدينة إلى سفر شاق يمتد من 6 إلى 8 ساعات عبر منعرجات جبلية وعرة، مسببة مئات الحوادث المرورية المأساوية للمسافرين وقوافل الإمداد.

* الخنق الاقتصادي والمعيشي: فرض الإغلاق تضاعفاً حاداً في أسعار المواد الأساسية والمياه الصالحة للشرب والوقود، ما أثقل كاهل المواطن المرهق أساساً بتداعيات التدهور الاقتصادي وتوقف المرتبات.

* الاستهداف المباشر للأحياء: ترافق الحصار مع قصف مستمر وعمليات قنص تطال الأطفال والنساء في المناطق القريبة من خطوط التماس، ما جعل الخطر يلاحق المدنيين داخل منازلهم.

دور المنظمات الأممية: إغاثة خجولة وعجز دبلوماسي صاعق

عند تقييم تعاطي المنظومة الأممية مع مأساة تعز، تظهر فجوة هائلة بين المسؤوليات المنوطة بها والواقع الميداني:

* الملف الإنساني: تظل المساعدات الطبية والغذائية المحدودة عاجزة عن سد الفجوة الكارثية على الأرض، في ظل عجز المنظمات عن حماية قوافلها الإغاثية من قيود الاحتجاز وتغيير المسارات المفروضة عليها دون اتخاذ مواقف دولية حازمة.

* الملف السياسي والدبلوماسي: منذ اتفاق ستوكهولم أواخر 2018 مروراً بمختلف جولات الحوار، عجز الوسطاء الدوليون عن إحراز تقدم فعلي لإنهاء المعاناة. وغلب على الخطاب الدبلوماسي اعتماد عبارات ضبابية تساوي بين المحاصَر ومن يفرض الحصار، مع الاكتفاء ببيانات القلق الروتينية التي لم تردع الانتهاكات أو تضع حداً لها.

ما الذي يحتاجه أبناء تعز من المجتمع الدولي؟

إن إدارة الأزمات عوضاً عن معالجتها يطيل أمد الكارثة. فأبناء تعز لا ينتظرون مساعدات عينية مؤقتة، بل ينشدون استعادة حقهم الطبيعي المكفول دولياً في التنقل الآمن والعيش الكريم. ويتطلب ذلك تحولاً عملياً في استراتيجية المنظمات الدولية عبر:

* تسمية الأطراف المعرقلة بوضوح: الابتعاد عن التعميم وتحديد الجهات المسؤولة عن إغلاق الطرقات أمام جلسات مجلس الأمن الدولي.

* ممارسة ضغوط حقيقية وفاعلة: ربط أي خطوات أو تسهيلات في الملفات الاقتصادية والمنافذ الأخرى برفع الحصار الكامل وغير المشروط عن تعز.

* توثيق الانتهاكات للمسار القضائي: رصد جرائم الحصار والاستهداف المباشر للمدنيين كملفات قانونية لا تسقط بالتقادم، وصولاً للمساءلة القانونية.

ستظل تعز بصمود أبنائها حاضرة في صدارة المشهد، لكن هذا الصمود لا يعفي المجتمع الدولي وهيئاته من استحقاقات المسؤولية الإنسانية والأخلاقية؛ فكل مسار سلام في اليمن سيبقى منقوص المصداقية ما لم تنكسر قيود الحصار وتُفتح شرايين الحياة أمام تعز وأبنائها.