لم تعد خطورة التصعيد في اليمن محصورة في اتساع رقعة المواجهات، بل في غياب استراتيجية وطنية تحاصر تداعياتها وتمنع تحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.
فمن جبهات تعز إلى البحر الأحمر وباب المندب، مرورا بالتطورات المرتبطة بعدن والمكلا، تتكشف معادلة خطيرة يتداخل فيها العسكري بالسياسي، والمحلي بالإقليمي، فيما تتآكل فرص الاستقرار وتتضاعف كلفة الحرب على الدولة والمجتمع.
وباعتقادي، فإن استمرار التصعيد من دون أفق سياسي واضح لا يقرب اليمن من الحسم، بل يهدد سيادته ومستقبل دولته، فالقوة التي لا تستند إلى رؤية وطنية تنهي الحرب قد تتحول من وسيلة للحل إلى عامل يطيل أمد الأزمة ويعمق خسائرها.
وتكشف التطورات في تعز جانبا من هذه المعضلة، فالغارات التي استهدفت أطقما وتجمعات للحوثيين في وادي حنش بمدرات غربي المدينة، ومواقع في منطقة ذي البرح بمديرية المسراخ، إضافة إلى ثلاث غارات في مديرية الشمايتين جنوبي المحافظة، تؤكد أهمية الجبهة التعزية في معادلة الصراع.
غير أن القيمة العسكرية لهذه العمليات لا تقاس بعدد الغارات، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في موازين القوة، وتقليص المخاطر على المدنيين، وتهيئة الظروف لإنهاء المواجهة.
وفي نظري، تكمن المشكلة في التعامل مع الجبهات بوصفها ساحات منفصلة، بينما تتصل جميعها بأزمة وطنية واحدة.
فتعز ليست مجرد جبهة قتال، والساحل الغربي ليس مجرد امتداد للمعارك، وعدن والمكلا ليستا مجرد منشآت حيوية، بل تمثل هذه المواقع حلقات مترابطة في معادلة أمنية وسياسية واقتصادية، لا يمكن فهم اتجاهات التصعيد ومآلاته بمعزل عنها.
وتتضح خطورة هذا الترابط عند النظر إلى البحر الأحمر وباب المندب، اللذين يمنحان الصراع اليمني أبعادا تتجاوز الحدود الوطنية.
فهذه الممرات تمثل شريانا مهما للتجارة الدولية، وأي اتساع للهجمات البحرية أو التهديدات التي تستهدف السفن قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويدفع شركات النقل إلى تغيير مساراتها، بما ينعكس على التجارة وسلاسل الإمداد.
ومن هنا، فإن استخدام الملاحة الدولية ورقة ضغط في الصراع لا يمثل مجرد تصعيد عسكري، بل مغامرة استراتيجية تتجاوز كلفتها الأطراف المنخرطة فيها.
فكلما اتسعت التهديدات، ازدادت احتمالات التدخلات الخارجية، وتعقدت فرص احتواء الأزمة، والمفارقة أن الموقع الجغرافي الذي يفترض أن يشكل رافعة اقتصادية لليمن قد يتحول إلى عبء عليه حين تصبح سواحله وممراته ساحة للتنافس الإقليمي والدولي.
أما التطورات المرتبطة باستهداف المطارات في عدن والمكلا، والهجمات التي يشار إلى ارتباطها بالسعودية، فتزيد المشهد حساسية، وتفرض التمييز بين الوقائع المثبتة والتقارير المتداولة.
ومع ذلك، فإن استهداف المنشآت الحيوية، متى تأكد، لا تقتصر تداعياته على الجانب العسكري، بل تمتد إلى النقل والاقتصاد والخدمات وحياة المواطنين.
كما أن انتقال التصعيد بين ساحات متعددة يرفع مخاطر سوء التقدير، ويجعل المواجهة المحدودة قابلة للتحول إلى أزمة أوسع.
وباعتقادي، فإن أخطر السيناريوهات هو تحول اليمن إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، فيما يتحمل اليمنيون الكلفة الأكبر من دون امتلاك قرار وطني موحد يحدد اتجاه الحرب ومآلاتها.
فعندما تتقدم حسابات النفوذ على متطلبات بناء الدولة، تصبح السيادة شعارا بلا مضمون، وتتحول المؤسسات والبنية التحتية والموارد إلى أدوات إضافية في صراع الاستنزاف.
لهذا، لا يكفي الرهان على القوة العسكرية، ولا يعد استنزاف الخصوم حتى الانهيار ضمانة لإنهاء الحرب.
فالصراعات الممتدة لا تستنزف المجتمعات فحسب، بل تخلق مصالح وشبكات نفوذ تستفيد من استمرارها، وتجعل التسوية أكثر تعقيدا.
ومن دون مسار سياسي جاد، وضمانات قابلة للتنفيذ، ورؤية وطنية تعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، ستظل المكاسب الميدانية عرضة للتآكل، وسيبقى تجدد القتال احتمالا قائما.
ولا تقل التداعيات الإنسانية خطورة عن الحسابات العسكرية والسياسية، فاستمرار الحرب يفاقم هشاشة الاقتصاد، ويضغط على الخدمات الأساسية، ويقوض فرص العمل، ويوسع دائرة المعاناة.
لذلك، فإن أي استراتيجية لا تجعل حماية المدنيين وتخفيف الأعباء المعيشية جزءا أصيلا من أهدافها تظل استراتيجية ناقصة، مهما حققت من مكاسب عسكرية.
إن اليمن أمام اختبار يتجاوز الصمود في الجبهات إلى استعادة القرار الوطني ومنع اتساع دائرة الصراع.
وفي رأيي، يبدأ الطريق إلى الاستقرار بإدراك أن التصعيد ليس بديلا عن السياسة، وأن حماية السيادة لا تتحقق بالشعارات، بل ببناء دولة قادرة على توحيد القرار، وضبط السلاح، وحماية مصالح مواطنيها، وإدارة علاقاتها الإقليمية وفق أولوياتها الوطنية.
فاليمن لا يحتاج إلى حرب مفتوحة بلا أفق، ولا إلى تسويات مؤقتة تؤجل الانفجار التالي، بل إلى مشروع وطني يضع إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة وتحسين حياة المواطنين في صدارة الأولويات.
وحين يتحول التصعيد إلى سياسة دائمة، لا تقتصر الخسارة على اتساع رقعة القتال، بل تمتد إلى تآكل الدولة وارتهان المستقبل لحسابات لا يدفع ثمنها إلا الوطن وأبناؤه.