في ذكرى الرابع عشر من أكتوبر الخالدة، تتجدد في الذاكرة الوطنية حكاية شعب رفض أن يكون تابعاً، واختار أن يخط بدمائه وإرادته مساراً حراً يأبى الانكسار. فتاريخ الأمم الحية لا يصنعه عابرو السبيل، ولا تكتب فصوله الحقيقية حشود الهتافات الصاخبة والولاءات العابرة. إن الأوطان الكبرى والصلبة سياسياً واجتماعياً لا يحررها أولئك الذين يقفون على رصيف الشعار يترنمون بالحرية عن بُعد، بل يطرز هويتها أولئك الذين يمارسونها فعلاً وسلوكاً، متخذين من روح أكتوبر المجيدة منهج حياة لا مجرد كلمات تُستهلك في المناسبات والمهرجانات الخطابية. فالفرق شاسع بين من يرفع صوته متغنياً بالحرية لغاية في نفس يعقوب، وبين من يجسدها في تفاصيل تفكيره وموقفه الاجتماعي والسياسي، مدركاً أن الأوطان لا تُسترد بالاستجداء، بل تُنتزع بصناعة الواقع وبناء الإنسان القادر على قول لا في وجه الظلم والاستبداد، تماماً كما وقف ثوار أكتوبر في وجه أعتد امبراطوريات الاستعمار.
وعلى الصعيدين السياسي والاجتماعي، لا يمكن لأمة تستلهم روح أكتوبر أن تبني نهضتها بأيدي أولئك الذين يصفقون لكل طارئ، ويسبحون بحمد القادة على كل خطأ وصواب، ظناً منهم أن الولاء الاجتماعي والوطني يعني طمس الحقيقة وتكميم الأفواه. إن الولاء الحق يكمن في الرقابة الواعية والمحاسبة المسؤولة حين يزل الخطأ أو تحيد بوصلة القرار عن مصلحة الشعب. التصفيق الأعمى هو المعول الأهدأ الذي يهدم مداميك الدول والمجتمعات من حيث لا يدري المصفقون، فالبيئة الاجتماعية السليمة والكيان السياسي الحي هما اللذان يمتلكان الشجاعة لتقول لمسؤوليها بحزم وموضوعية: أخطأتم، لأن تصحيح المسار السياسي والاجتماعي يبدأ دائماً من الاعتراف بالخلل ومحاسبة مقترفيه لا تبرير أفعالهم.
أما السيادة الوطنية، التي أزفت لحظتها في رابع عشر أكتوبر، فلا تنتظر إذناً من عواصم القرار الخارجي، ولا تُستجدى عبر التفاهمات والصفقات التي تفرغ الاستقلال من مضمونه الحقيقي. إن من يفهم معنى السيادة يدرك يقيناً أن الوطن ليس ورقة قابلة للمساومة على طاولات المصالح الضيقة، ولا عقاراً تُدار شؤونه بالوكالة عن الآخرين. يبدأ استقلال القرار السياسي من اللحظة التي يرفض فيها المجتمع والطبقة السياسية التبعية بكل أشكالها، ولو كلف ذلك الإنسان أن يقف وحيداً كالطود الشامخ في وجه القطيع المنساق خلف الوهم. إن شجاعة الوقوف بمفردك دفاعاً عن الحقيقة والسيادة والعدالة الاجتماعية هي المعيار الحقيقي لانتماء الإنسان، فالأوطان الباقية هي التي يكتب مواطنوها تاريخهم بأيديهم المستقلة، مستلهمين جذوة أكتوبر التي لم ولن تذبل، لا بتوجيه من الخارج ولا بصدى التصفيق العابر.