آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-10:23ص

معركتان لتحرير اليمن… بندقية في الجبهة وسيفٌ على الفساد

الخميس - 22 أكتوبر 2026 - الساعة 07:26 ص
جمال صالح لهطل


ليست مأساة اليمن في انقلاب الحوثي على الدولة وحده، بل في أن معركة استعادة الجمهورية تُثقلها أعباء الفساد الذي ينخر مؤسسات الشرعية، ويبدد تضحيات الأبطال، ويستنزف مقدرات الشعب. فكيف نحرر وطناً من قبضة المشروع الحوثي الإيراني، بينما نترك الفساد يعبث بمؤسساته، ويحوّل معاناة اليمنيين إلى امتيازات ومكاسب خاصة؟

إن الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة هي أن اليمن يخوض معركتين متلازمتين: معركة استعادة الدولة من قبضة الحوثي والمشروع الإيراني، ومعركة استعادة مؤسساتها من الفساد والعبث ونهب المال العام. ومن يظن أن بالإمكان الانتصار في إحداهما مع ترك الأخرى تنهش جسد الوطن، إنما يؤجل الخلاص ويقوض أسس النصر.

لقد أحسن منبر «عكاظ» حين فتح نافذة على قضايا الفساد ومعاناة اليمنيين؛ فالشعب الذي يقدم أبناءه قرابين للحرية، ويتحمل الجوع والتشرد والفقر، من حقه أن يعرف أين تذهب موارده، وكيف تُدار مؤسساته، ومن يستغل الحرب لتحقيق مصالحه. أما ما يُتداول عن حذف بعض المضامين المتعلقة بالفساد، فلا يجوز الجزم بأسبابه أو بالجهات التي تقف وراءه دون دليل، لكن الحقيقة التي لا تقبل المساومة هي أن كشف الفساد ومحاسبة مرتكبيه يجب ألا يخضعا للضغوط أو المجاملات.

إن الفساد في زمن الحرب ليس مجرد خلل إداري؛ إنه خطر يضرب الجبهة الداخلية، ويضعف قدرة الدولة على المواجهة، ويسرق من المقاتلين والشعب ما يحتاجونه للصمود والانتصار. وحين ينهب مسؤول المال العام، أو يعبث بمخصصات الجبهات، أو يستغل منصبه لتعطيل معركة التحرير، فإنه لا يعتدي على المال وحده، بل يعتدي على حق شعب بأكمله في استعادة دولته وحريته وكرامته.

إن من يثبت تورطه في فساد متعمد يضر بالمعركة الوطنية، أو ينهب موارد الدولة في وقت يقاتل فيه الشعب لاستعادة مؤسساته، يرتكب خيانة وطنية جسيمة تستوجب أقصى العقوبات التي يقررها القانون. ولا يجوز أن يحتمي المتورط بمنصب أو نفوذ أو انتماء سياسي، ولا أن تتحول الحرب إلى مظلة تحمي الفاسدين من المساءلة.

وهنا تقع المسؤولية الكبرى على مؤسسات الدولة وقياداتها: لا تهاون مع الفساد، ولا تستر على المتورطين، ولا تعطيل لإجراءات المحاسبة. المطلوب فتح ملفات الفساد دون استثناء، وإجراء تحقيقات مستقلة وسريعة، وتجميد التصرف في الأموال المشبوهة وفق القانون، وإحالة المتهمين إلى القضاء، وتنفيذ الأحكام الرادعة بعد محاكمات عادلة تكفل إثبات الوقائع وحقوق الدفاع.

أما المطالبة بإعدام الفاسدين أمام الشعب فوراً، فلا ينبغي أن تتحول إلى عقوبة خارج القضاء أو إلى عدالة انتقامية؛ فالدولة التي نناضل لاستعادتها يجب أن تكون دولة قانون. وإذا ثبتت جريمة تستوجب الإعدام وفق التشريع النافذ، فلا يُنفذ الحكم إلا بحكم قضائي نهائي مستوفٍ للإجراءات القانونية. إن قوة الدولة ليست في تجاوز القانون، بل في تطبيقه على الجميع دون خوف أو محاباة.

إن محاربة الفساد ليست خروجاً عن المعركة الوطنية، بل هي في صميمها. فالجندي الذي يقف في الخندق دفاعاً عن الأرض، والمسؤول الذي يحمي المال العام، والرقابي الذي يكشف التجاوزات، والقاضي الذي يحاسب المتورطين، جميعهم يسهمون في استعادة الدولة. وكما أن للجبهة العسكرية أبطالها، فإن لجبهة النزاهة رجالها؛ ولا يجوز تخوين الشرفاء لأنهم يطالبون بالحساب والعقاب.

أما الذين يرفعون شعار «ليس هذا وقت محاربة الفساد»، فنسألهم: متى يكون الوقت المناسب لحماية أموال الشعب؟ أفي زمن الحرب، حين تكون كل الموارد ضرورة للصمود؟ أم بعد أن تضيع الحقوق وتُستنزف الثروات وتصبح المحاسبة أكثر صعوبة؟

إن الشرعية لا تُحمى بالتستر على الفاسدين، بل بتصحيح مسارها واستعادة ثقة الشعب. والمسؤولية العامة ليست غنيمة، والمنصب ليس حصانة، والولاء الوطني لا يُقاس بالشعارات، بل بالنزاهة والتضحية والالتزام بالقانون.

وليس المعيار مكان إقامة المسؤول أو موقع عمله، بل ما يقدمه لوطنه وما يثبت عليه من أعمال. فمن حق الشعب أن يسأل: من يضحي من أجل التحرير، ومن يستفيد من استمرار الأزمة؟ ومن يحمي موارد الدولة، ومن يبددها؟ والإجابة تكون بالوثائق والتحقيقات والمحاسبة العادلة، لا بالشائعات والتعميم.

وفي المقابل، فإن تحرير اليمن من الحوثي والمشروع الإيراني مسؤولية وطنية لا يمكن أن تبقى رهينة الانتظار أو التعويل على الآخرين. فدعم الأشقاء مهم ومقدر، لكن اليمنيين مطالبون بتوحيد صفوفهم، ودعم الجيش والمقاومة، واستعادة مؤسسات الجمهورية، وبناء دولة تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون.

إن المطلوب اليوم خطوات عملية لا شعارات: تفعيل أجهزة الرقابة، ومراجعة أوجه الإنفاق، وحماية مخصصات الجبهات، واسترداد الأموال المنهوبة وفق القانون، ومحاسبة كل من تثبت إدانته مهما علا منصبه أو اتسع نفوذه. فالقانون الذي يعجز عن محاسبة القوي ليس قانوناً مكتملاً، والعدالة التي تستثني أصحاب النفوذ ليست عدالة.

يا أبناء اليمن، لا تسمحوا لأحد أن يخيركم بين مواجهة الحوثي ومحاربة الفساد. فالأولى تحرر الأرض من الانقلاب، والثانية تحمي الدولة من الاختطاف من الداخل. ومن يطلب الصمت عن الفساد باسم المعركة، إنما يضعف الدولة التي نزعم جميعاً أننا نقاتل لاستعادتها.

إن من يسرق أموال الشعب بينما يقاتل أبناؤه في الجبهات، ومن يعبث بموارد الدولة ويستغل دماء الشهداء لتحقيق مصالحه، يجب ألا يجد ملاذاً آمناً من المحاسبة. فحقوق الشعب ليست مباحة، وتضحيات الجنود ليست غطاءً للمتاجرة، ودماء الشهداء ليست ثمناً لامتيازات الفاسدين.

لا حصانة لفاسد، ولا تهاون مع من يعبث بالمجهود الوطني، ولا شرعية فوق القانون.

فكما أن البندقية تحمي الوطن من عدوه، فإن النزاهة تحمي الدولة من التآكل. وكما يقاتل الجندي لاستعادة الأرض، يقاتل الشريف لاستعادة الحق. ولن يكتمل النصر حتى تتحرر الأرض من الانقلاب، وتتحرر مؤسسات الدولة من الفساد، ويصبح القانون فوق الجميع.

معركتنا واحدة في غايتها: تحرير اليمن، واستعادة الجمهورية، وصون تضحيات الشعب، وإقامة دولة لا يحكمها الحوثي، ولا يختطفها الفساد، ولا يفلت فيها مجرم من العقاب.