كثيراً ما استوقفتني تلك العبارة العميقة للشاعر الراحل محمود درويش حين قال: "ونحن لم نحلم بأكثر من حياة كالحياة". هذه الكلمات المختصرة ليست مجرد سطر شِعري عابر، بل هي مانيفستو إنساني كامل تلخص وجع الواقع، وتختزل سقف الطموحات الذي تراجع لدى المواطن البسيط من البحث عن الرفاهية إلى الرغبة المحضة في البقاء الكريم.
من موقعي كإعلامي يراقب نبض الشارع وينقل هموم الناس، أرى أننا نعيش في زمن أصبحت فيه البديهيات مطالب صعبة المنال. لم نعد نطلب المعجزات؛ كل ما نرجوه هو صباحٌ آمن، وتفاصيل يومية هادئة خالية من القلق الوجودي الخانق. إننا نحلم بتلك الحياة الفطرية البسيطة: أن يخرج المرء منا لطلب رزقه آمناً، وأن يعود لبيته دون أن يحمل على كاهله هموم الغد المجهول، وأن يرى لأبنائه مستقبلاً لا تصنعه الصدف، بل تحميه الحقوق والعدالة.
إن الحلم بـ "حياة كالحياة" يعني بالضرورة توفير بيئة تحترم كرامة الإنسان وتصون جهده. تعني إيقاف نزيف طاقات الشباب الضائعة بين مطرقة البطالة وسندان الهجرة، وتأمين الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وفرص عمل بكرامة ودون عناء. فالعيش الحقيقي ليس مجرد استمرار بيولوجي في تنفس الهواء، بل هو شعور الفرد بأنه شريك حقيقي في وطنه ومجتمعه، يُحترم فيه صوته وتُثمر فيه تطلعاته.
أكتب هذه الكلمات اليوم ، ليس من باب بث اليأس، بل من باب المسؤولية المهنية والأخلاقية التي تفرض علينا التذكير الدائم بالحقوق الإنسانية الأساسية. إنها دعوة صادقة لكل المسؤولين وصناع القرار لإعادة ترتيب الأولويات، والالتفات بجدية إلى الاحتياجات الحقيقية والمباشرة للمواطن. إن بناء الأوطان الحقيقي لا يتم عبر الشعارات الفضفاضة، بل بتحويل تلك الشعارات إلى واقع ملموس يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية للناس.
ختاماً، إن الحلم بحياة طبيعية تشبه الحياة، ليس سقفاً مرتفعاً ولا مطلباً تعجيزياً؛ بل هو الحق الأول والأصيل الذي يبدأ منه كل إعمار وازدهار. ولن نكف، كأصوات إعلامية منحازة للإنسان، عن التمسك بهذا الحلم البسيط والكتابة لأجله، حتى يصبح الغد مكاناً نعيش فيه حقاً، لا مجرد محطة ننتظر فيها العبور.