تحمّلنا من مرارة الدهر ما لو وُزِّع على الجبال لتصدّعت، وكتمنا من أوجاع الفقر ما لو نطقت به الحجارة لبكت، ومضينا في دروب العوز حفاةَ الأحلام، عراةَ الحظوظ، نُقنع أنفسنا بأن الصباح آتٍ لا محالة، وأن الليل مهما استطال لا يملك أن يصادر حق الشمس في الشروق.
جُعنا، فقلنا: لعل في الجوع صونًا للاقتصاد. وأكلنا من فضلات الموائد وبراميل القمامة، فقلنا: لعل في ذلك اقتصادًا لا يفهمه المترفون. وهُمِّشنا، ونحن من كفاءات الوطن وعقولِه، فقلنا: دعوا ذوي القربى وأصحاب الصلات يتولّون الأمر؛ فلعل القرابة تحفظ اللحمة الوطنية، ولعل المحاباة تُثمر عدالة، ولعل من لا يملك العلم يُحسن إدارة العلم، ومن لا يعرف القضاء يُقيم ميزانه!
لكننا استيقظنا على وطنٍ تتنازعه الأيدي، ومؤسساتٍ تنهشها المصالح، وفسادٍ اتخذ من الصمت ستارًا، ومن الولاء الشخصي قانونًا، ومن حقوق الناس غنيمةً يتقاسمها أصحاب النفوذ. رأينا المعيشة تضيق، ومكتسبات الدولة تُستباح، وهيبة القانون تتراجع، والعدالة تتعثر في طرق المصالح؛ فعجبًا لوطنٍ يُقصي عقولَه ثم يستغيث من عجزه، ويُهمّش علمه ثم يشكو ظلامه!
كتبنا، وبحثنا، وألّفنا المجلدات، وأفنينا الأعوام في تشريح النصوص، وتأصيل الأحكام، والبحث عن منافذ الإصلاح. لم نطلب عرشًا، ولم نساوم على ضمير، ولم نمد أيدينا إلى مالٍ لا نستحقه؛ كل ما طلبناه أن يُسمع صوت العلم، وأن يُحترم الرأي، وأن يُستشار الباحث فيما أفنى عمره في دراسته، وأن يكون للقانون مقامٌ فوق مقام القرابة، وللكفاءة وزنٌ أثقل من أوزان المجاملة.
فأيُّ عدالةٍ هذه التي تستكثر على صاحب العلم أن يُستشار، ثم تستكثر على صاحب الحق أن يُنصف؟ وأيُّ وطنيةٍ هذه التي تجعل المطالبة بالإصلاح خروجًا عن الصف، وتجعل السكوت عن الفساد دليلًا على الوفاء؟!
لقد طال صبرنا، ولكن الصبر ليس صكَّ تنازل، وسكتنا، ولكن الصمت ليس اعترافًا بالهزيمة، وتواضعنا، ولكن التواضع لا يعني أن نُسلّم رقاب الحقوق لمن لا يرعى لها حرمة.
ومن الآن، فليعلم الجميع أن حقوق الناس ليست أوراقًا مهملة في أدراج المصالح، وأن كرامة الإنسان ليست منحةً من مسؤول، وأن العلم ليس زينةً تُعلّق على جدران المؤسسات ثم يُغلق الباب في وجه أصحابه.
سنظل نكتب، ونبحث، ونكشف مواضع الخلل، ونطالب بإصلاح القضاء وإقامة دولة النظام والقانون؛ لا انتقامًا من أحد، ولا طلبًا لمجدٍ شخصي، بل وفاءً لوطنٍ يستحق أن يكون أكبر من مصالح الأفراد، وأعدل من أهواء المتنفذين، وأبقى من أسماء الذين يتعاقبون على مناصبه.
فإن كان لنا من ذنبٍ في نظرهم، فهو أننا صبرنا طويلًا، وعلمنا كثيرًا، وانتظرنا أن ينتصر العقل على الهوى، والكفاءة على القرابة، والحق على الباطل.
ولكننا اليوم نقولها بوضوح: لن يكون صبر المظلوم غطاءً لفساد الظالم، ولن يكون صمت العالم شهادةَ رضا، ولن تبقى حقوق الناس رهينةً لمزاج أصحاب النفوذ.
فالأوطان لا يحميها التملق، ولا تنهض بالمحسوبية، ولا تستقيم عدالةٌ فيها يُقدَّم القريب على الكفء، والجاهل على العالم، والمصالح على المبادئ.
وإن غدًا لناظره قريب؛ فالتاريخ لا ينسى من بنى، ولا يبرّئ من هدم، ولا يرفع من جعل الوطن ميراثًا خاصًا، بينما ترك أبناءه يتقاسمون وجع الحاجة ومرارة الانتظار.
لسنا أقلَّ من أن نُسمَع، ولسنا أكبر من الوطن؛ لكننا نرفض أن يكون الوطن أصغر من حقوق أبنائه.