آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-12:44ص

المضاربة ورأس العارة.. جبهة استراتيجية تُترك لمواجهة الخطر وحدها!

الأربعاء - 21 أكتوبر 2026 - الساعة 11:04 م
أنعم الزغير البوكري


لم تعد المضاربة ورأس العارة مجرد مديرية تواجه تصعيدًا عسكريًا، بل أصبحت جبهة استراتيجية بالغة الأهمية، يرتبط مصيرها بأمن الصبيحة ومحافظة لحج والجنوب عمومًا، نظرًا لموقعها الجغرافي المطل على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الملاحية الدولية في العالم.


تقف هذه المديرية، بمساحتها الشاسعة التي تُقدّر بنحو 3700 كيلومتر مربع، وتضاريسها الجبلية الوعرة، أمام تحديات عسكرية وأمنية خطيرة في ظل التهديدات الحوثية المدعومة من إيران. ومع تصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهات، يبرز سؤال مصيري: لماذا تُترك هذه الجبهة الحيوية لمواجهة الخطر بإمكانات محدودة، بينما تتطلب أهميتها تحركًا جادًا وإسنادًا يتناسب مع حجم التهديد؟


إن أبناء الصبيحة الذين يقفون اليوم في خطوط المواجهة، ويدافعون عن أرضهم وقراهم، لا ينبغي أن يُتركوا وحدهم في مواجهة آلة عسكرية تتجاوز إمكانات المقاومة المحلية. فالشجاعة والتضحيات، مهما بلغت، لا يمكن أن تكون بديلًا عن التخطيط العسكري السليم، والإمداد المنتظم، وتوفير السلاح والذخيرة والاحتياجات الأساسية للمقاتلين، إلى جانب حماية المدنيين الذين يدفعون ثمن هذه الحرب من أمنهم ومنازلهم ومصادر رزقهم.


إن أخطر ما يمكن أن تواجهه هذه الجبهة ليس قوة الخصم وحدها، بل غياب الرؤية الموحدة والتقاعس عن تقديم الدعم اللازم في الوقت المناسب.


فالمواقع الاستراتيجية لا تُحمى بالأمنيات، والجبهات لا تصمد بالشعارات، وإنما بقيادة ميدانية كفؤة، وتنسيق عسكري فاعل، وخطط دفاعية واضحة، وإمدادات مستمرة تضمن قدرة المقاتلين على الصمود وحماية المناطق السكانية.


ولا يمكن تجاهل المخاطر المترتبة على أي تراجع عسكري في هذه المنطقة؛ فالتفريط بالمضاربة ورأس العارة، لا قدّر الله، قد يفتح الباب أمام تداعيات أمنية وعسكرية واسعة، ويجعل استعادة السيطرة على المناطق المفقودة أكثر تعقيدًا وكلفة. وعندها لن يكون الندم كافيًا لتدارك الأخطاء، ولن تكون المعركة مجرد مواجهة محلية، بل قد تتحول إلى أزمة أكبر تتطلب إمكانات وموارد مضاعفة.


ومن هنا، فإن الصمت المحيط بمصير هذه الجبهة يثير تساؤلات مشروعة لدى أبناء الصبيحة: أين خطط الإسناد؟ وأين التنسيق بين القيادات العسكرية؟ ولماذا لا تُترجم الأهمية الاستراتيجية للمضاربة إلى إجراءات عملية على الأرض؟ وما الذي يمنع الجهات المعنية من وضع هذه الجبهة في مقدمة أولوياتها؟


إن هذه التساؤلات لا تهدف إلى إطلاق الاتهامات جزافًا، بقدر ما تعكس قلقًا حقيقيًا من أن يؤدي التأخر في اتخاذ القرارات اللازمة إلى نتائج يصعب احتواؤها لاحقًا.


المطلوب اليوم تحرك عاجل يتجاوز الوعود والتصريحات، ويترجم إلى خطوات واضحة، أبرزها:


- تعزيز الجبهة بالإمدادات والاحتياجات العسكرية واللوجستية اللازمة.

- توحيد غرفة العمليات والتنسيق بين مختلف القوات والتشكيلات الموجودة في الميدان.

- وضع خطة دفاعية متكاملة لحماية المواقع الاستراتيجية والقرى والمناطق السكنية.

- توفير الدعم الإنساني والإغاثي للأسر المتضررة والنازحة، وعدم تركها تواجه مصيرها بمفردها.

- تحمّل القيادات والجهات المعنية مسؤولياتها، ومصارحة المواطنين بحقيقة الأوضاع والتحديات القائمة.


إن أبناء المضاربة ورأس العارة لا يطالبون بالمستحيل، بل يطالبون بحقهم في الحماية والإسناد، وبأن تكون تضحياتهم محل تقدير عملي، لا مجرد كلمات تُقال عند اشتداد الأزمات.


فهل تتحرك الجهات المعنية قبل فوات الأوان، أم ستظل هذه الجبهة تنتظر حتى تفرض التطورات الميدانية واقعًا جديدًا يدفع الجميع ثمنه؟


إن حماية المضاربة مسؤولية لا تحتمل التأجيل، وأمن باب المندب ليس شأنًا محليًا ضيقًا، بل قضية تتجاوز حدود المديرية إلى أمن الجنوب والمنطقة. والتاريخ لا يرحم من يرى الخطر مقبلًا ثم ينتظر وقوع الكارثة ليتحرك.


أنقذوا جبهة المضاربة ورأس العارة قبل فوات الأوان؛ فالدعم اليوم أقل كلفة من محاولة تدارك الانهيار غدًا.