ليست المشكلة في الهدنة بوصفها إجراءً سياسياً، ولا في التفاوض باعتباره وسيلة لإنهاء الحروب، وإنما المشكلة الحقيقية في التفاوض من موقع الضعف، ومن دون ضمانات، ومن غير أن يكون هناك مشروع واضح لاستعادة الدولة وإنهاء أسباب الحرب.
فحين تتحول الهدنة من فرصة لالتقاط الأنفاس وترتيب الصفوف وحماية المدنيين إلى غاية بحد ذاتها، وحين يصبح التفاوض بديلاً عن استعادة الدولة، فإننا لا نكون أمام سلام حقيقي، بل أمام خطر تكريس واقع فرضته القوة والسلاح.
إن جماعة الحوثي لا تمثل مجرد خلاف سياسي يمكن تجاوزه بتوقيع ورقة أو تبادل الوعود؛ فهناك قضية دولة ومؤسسات وسلاح خارج إطارها، وهناك شعب دفع أثماناً باهظة من أمنه واستقراره ومستقبله. ولذلك، فإن أي مسار سياسي لا يعالج هذه القضايا معالجة جذرية سيترك أسباب الصراع قائمة، وربما يمنحها وقتاً إضافياً لتترسخ.
الهدنة التي لا تنهي الحرب قد تمنح الخصم فرصة للاستعداد. لقد أثبتت التجارب أن وقف إطلاق النار، إذا لم يُبنَ على رؤية واضحة وضمانات حقيقية، قد يتحول إلى فترة يستفيد منها الطرف الأكثر قدرة على التنظيم وتثبيت نفوذه. وقد حذّر المبعوث الأممي إلى اليمن في يوليو 2026 من أن التصعيد يهدد بتوسيع المواجهة وتعميق معاناة اليمنيين، مؤكداً أهمية الوصول إلى عملية سياسية شاملة.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يواجه به أصحاب القرار أنفسهم:
ماذا نريد من الهدنة؟ وماذا نريد من التفاوض؟
هل نريد سلاماً يعيد الدولة ويُنهي الانقلاب المسلح، أم نريد مجرد هدوء مؤقت نُسكّن به الجبهات، بينما تبقى أسباب الحرب قائمة، وتظل مؤسسات الدولة رهينة الأمر الواقع؟
إن التفاوض ليس عيباً في ذاته، لكن العيب أن نذهب إليه بلا أوراق قوة، وبلا شروط واضحة، وبلا ضمانات للتنفيذ. والعيب الأكبر أن نخلط بين السلام والاستسلام، وأن نمنح تنازلات سياسية قبل أن نضمن أن السلام سيحمي اليمنيين ويصون دولتهم ومستقبلهم.
المشكلة ليست في التفاوض، بل في الثمن الذي سندفعه
لا يجوز أن تتحول تضحيات اليمنيين إلى أوراق تُساوَم بها القوى السياسية، ولا أن يصبح تعب الناس وجراحهم مبرراً لقبول تسوية تُبقي السلاح خارج مؤسسات الدولة، وتمنح القوة المسلحة حق فرض إرادتها على المجتمع.
إن أي تسوية لا تتضمن معالجة حقيقية لقضايا السلاح، وسلطة الدولة، وحقوق المواطنين، وأمن اليمن وجيرانه، ستظل تسوية هشة مهما رُوّج لها من شعارات.
والأخطر من ذلك أن يذهب المفاوضون إلى الطاولة وهم مختلفون فيما بينهم، بلا رؤية وطنية موحدة ولا مشروع متفق عليه لما بعد الحرب. فكيف يمكن لمن عجز عن توحيد صفه أن يضمن اتفاقاً يحمي وطنه؟
إن استعادة الدولة لا تتحقق بالشعارات وحدها، كما أن السلام لا يتحقق برفض كل مبادرة لمجرد أنها مبادرة تفاوضية؛ بل يتحقق بامتلاك موقف وطني موحد، وأهداف محددة، وضمانات قابلة للتحقق، وآليات واضحة لمحاسبة من ينقض الاتفاق.
كلمة أخيرة
رسالتي إلى كل من يفكر في هدنة أو تفاوض مع الحوثي:
لا تجعلوا الرغبة في إنهاء الحرب سبباً لقبول سلام ناقص، ولا تجعلوا الخوف من استمرار المواجهة مبرراً للتنازل عن مستقبل اليمن.
الهدنة التي تحفظ أرواح اليمنيين وتفتح طريقاً حقيقياً لاستعادة الدولة ليست هزيمة؛ أما الهدنة التي تتحول إلى غطاء لتكريس الانقلاب، والتفاوض الذي يمنح السلاح شرعية دائمة، فهما خطر على حاضر اليمن ومستقبله.
نحن لا نريد حرباً إلى ما لا نهاية، ولا نريد أن يدفع الشعب مزيداً من الدماء. نريد سلاماً يحفظ الكرامة، ودولة تحكم بالقانون، وسلاحاً يخضع لمؤسساتها، وتسوية لا تكافئ القوة على حساب الحق.
فلا تجعلوا السلام اسماً آخر للاستسلام، ولا تجعلوا التفاوض بديلاً عن امتلاك القوة والموقف والقرار الوطني.
لأن السلام الذي لا يحمي الدولة لا يضمن استقرار الوطن، والاتفاق الذي لا يعالج أسباب الحرب قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يصنع سلاماً دائماً.