آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-12:44ص

تعز تعيد وصل ما قطعته السياسة.. من الشارع تبدأ حكاية المستقبل

الأربعاء - 21 أكتوبر 2026 - الساعة 09:38 م
نجيب الكمالي


أحيانًا، تختصر لك دقائق في الشارع حكاية شعب، وتكشف لك أن ما يجمع الناس أكبر بكثير مما تفرّقهم به السياسة.

اليوم، وأنا أنتظر باص أجرة على خط الخمسين باتجاه البرق مول، في شارع الخمسين بمدينة التقنية، لاحظت أن حركة الباصات ما زالت ضعيفة في هذا الخط. كنت واقفًا أنتظر، حين توقفت بجانبي سيارة خصوصي، وأشار إليّ صاحبها أن أركب.

نظر إليّ وقال: يبدو أنك من تعز.

قلت له: نعم، وأنت من أين؟

قال: من الضالع.

ثم مسح على رأسه وقال: «فوق رأسي»، ومضى يتحدث عن البطولات التي يحققها أبناء تعز في مواجهة الحوثيين، رغم الحصار ومحدودية السلاح الشخصي.

تأملت الموقف، وشعرت أنني أمام حكاية أكبر من مجرد مشوار في سيارة. رجل من الضالع يتوقف لرجل من تعز، لا تجمعهما معرفة سابقة، لكن يجمعهما الاحترام لما يقدمه أبطال تعز، ولما قدمه أبناء الجنوب من تضحيات في مواجهة الحوثيين.

قال لي إن البطولات التي يرسمها أبناء تعز اليوم قد تسهم في رسم ملامح المستقبل السياسي، بعيدًا عن حسابات الماضي. وتحدث عن دعوة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي لأبناء تعز ومأرب إلى الانضمام إلى مشروع دولة اتحاد الجنوب العربي.

تبادلنا الحديث، وقلت له إن الحوثيين، بعد سيطرتهم على صنعاء، أرادوا إخضاع تعز، وحشدوا في مواجهتها قوى مختلفة، لكن المدينة قاومت، وما زالت صامدة، ولم تمنحهم ما أرادوا.

هنا توقفت عند المعنى الأهم في ذلك اللقاء: بطولات أبناء تعز لا تواجه الحوثيين عسكريًا فحسب، بل تعيد أيضًا بناء جسور العلاقات الشعبية بين أبناء الجنوب وأبناء تعز.

منذ سنوات، حاولت الصراعات السياسية أن تزرع الحواجز بين الجنوب وتعز، وأن تجعل الخلافات السياسية سببًا للقطيعة بينهما. لكن ما يحدث اليوم يكشف وجهًا آخر؛ فتضحيات أبناء تعز تجد صداها في عدن والضالع ومختلف مناطق الجنوب، كما أن التضحيات التي يقدمها أبناء الجنوب في ميادين المواجهة، إلى جانب أبناء تعز، تصنع روابط تتجاوز الخلافات السياسية وتفتح أبوابًا أغلقتها سنوات الصراع.

وبوصفي تعزي الأصل، عدنيّ المنشأ والتربية، أعرف أن العلاقات بين الناس لا تُبنى بالبيانات وحدها. أحيانًا تبدأ بكلمة طيبة، أو بموقف عابر، أو بسائق يتوقف ليوصل شخصًا لا يعرفه، ثم يكتشف الاثنان أن بينهما ما يستحق الحديث عنه أكثر من المسافة التي تفصل بين مكانين.

أما مستقبل تعز، فلا ينبغي أن يُرسم بعيدًا عن الجنوب وحق أبنائه في استعادة دولتهم. وبالنسبة إليّ، فإن العودة إلى باب اليمن لم تعد خيارًا يمكن فرضه على حساب تضحيات الأبطال ودمائهم.

إذا كانت بطولات تعز قد أعادت التقارب الشعبي مع الجنوب، فإن الخطوة التالية يجب أن تكون حوارًا جادًا حول المصالح المشتركة والمستقبل السياسي، بما في ذلك مستقبل تعز في علاقتها بمشروع دولة الجنوب، بعيدًا عن الإملاءات والوصاية.

لقد عانى الجنوب وتعز، كلٌّ بطريقته، من صراعات ومشاريع سعت إلى فرض الهيمنة، سواء عبر نفوذ القوى القبلية أو توظيف الدين في الصراع السياسي، وصولًا إلى المشروع الحوثي القائم على فرض سلطته بالقوة. ولهذا، فإن أي مستقبل أكثر استقرارًا يحتاج إلى دولة نظام وقانون، تحمي الحقوق وتصون كرامة الناس، ولا تجعل القبيلة أو الجماعة الدينية أو السلاح فوق سلطة القانون وإرادة المجتمع.

ما حدث معي اليوم في خط الخمسين لم يكن مجرد مشوار إلى البرق مول. كان مشهدًا صغيرًا، لكنه حمل رسالة كبيرة.

والحقيقة أن هذا الشعور الأخوي لم ألمسه من أبناء الضالع وحدهم، بل أراه اليوم لدى أبناء الجنوب عمومًا؛ شعورًا تجاه تعز وأبنائها، وتقديرًا لما يقدمونه من تضحيات وما يسطرونه من مواقف بطولية. وكأن لسان حالهم يقول: أنتم منا ونحن منكم.

لم تعد تضحيات أبناء تعز بالنسبة إلى كثير من أبناء الجنوب حكاية بعيدة، بل قضية يشعرون أنها تعنيهم، تمامًا كما تعنيهم تضحيات إخوانهم في الجنوب.

وهنا تكمن أهمية ما يجري اليوم؛ فحين تلتقي مشاعر الناس وتجمعهم المواقف والتضحيات، تصبح السياسة مطالبة بأن تستمع إليهم، لا أن تعيد إنتاج الخلافات التي فرّقتهم.

قد يبدأ التقارب بموقف عابر في شارع، لكنه قد يفتح بابًا لحوار يرسم ملامح المستقبل. وتعز والجنوب، بما يجمعهما من تضحيات وتطلعات، أمام فرصة لأن يجعلا من هذا التقارب الشعبي أساسًا لعلاقة سياسية تقوم على الاحترام المتبادل، والحقوق، والشراكة، ودولة النظام والقانون.