تمر اليمن بمرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها المواجهات العسكرية الداخلية مع تصاعد التوترات الإقليمية بما يهدد الاستقرار ويضاعف الأعباء الإنسانية والاقتصادية.
فمع تزايد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة واتساع التهديدات لتشمل المطارات والموانئ والمنشآت الحيوية لم يعد التصعيد محصورا في جبهات القتال بل بات يمس حياة المواطنين وحركة النقل والإمدادات وفرص التعافي.
وتكمن خطورة هذه المرحلة في تزامن الضغوط العسكرية مع هشاشة الأوضاع الداخلية وتشابك المصالح الإقليمية ما يجعل أي خطأ في الحسابات السياسية والعسكرية ذا تداعيات واسعة.
إن استهداف مطار عدن الدولي ومطار الريان في المكلا وفقا للتقارير الواردة بالتزامن مع تصاعد المواجهات في جبهات تعز ولحج يضع أمن المنشآت المدنية والبنية التحتية الحيوية في صدارة المخاوف.
فالمطارات والموانئ ليست مجرد مرافق للنقل والتجارة بل شرايين أساسية لوصول المسافرين والسلع والمساعدات الإنسانية إلى بلد يعاني أزمات اقتصادية ومعيشية متراكمة.
ولا تقتصر تداعيات استهداف هذه المنشآت على الأضرار المباشرة إذ إن تعطل الرحلات وحركة النقل والإمدادات يضاعف عزلة المدن ويرفع كلفة المعيشة ويعرقل وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجا.
وإذا تحولت المرافق الحيوية إلى أهداف متكررة فستمتد آثار المواجهة إلى الاقتصاد والخدمات والاستجابة الإنسانية بما يفاقم معاناة السكان ويقوض فرص الاستقرار.
وتزداد المخاطر مع استمرار القتال في غرب تعز ومحيط جبل هان وما ورد عن قصف مناطق سكنية بالتزامن مع المواجهات في جبهة كهبوب غرب لحج.
ويضع هذا التصعيد المدنيين أمام مخاطر مضاعفة ويؤكد ضرورة حمايتهم وتحييد المنشآت المدنية عن الصراع.
ولا يمكن قراءة التطورات اليمنية بمعزل عن المشهد الإقليمي خصوصا في ظل التقارير المتعلقة باعتراض طائرات مسيرة متجهة إلى السعودية والتحركات الفرنسية المعلنة للتضامن مع المملكة.
وتعكس هذه التطورات اتساع المخاوف من انتقال تداعيات الصراع إلى نطاق أوسع بما يجعل أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية جزءا من معادلة واحدة.
وتحمل التحركات الفرنسية دلالات أمنية واستراتيجية فمن جهة تبرز أهمية حماية المنشآت الحيوية وتقليص مخاطر الهجمات ومن جهة أخرى ترتبط بأمن الطاقة وحرية الملاحة واستقرار سلاسل الإمداد.
فاضطراب البحر الأحمر وباب المندب لا تقتصر آثاره على الدول المطلة عليهما بل قد يمتد إلى التجارة العالمية وتكاليف النقل وأسواق الطاقة.
ومع ذلك فإن تعزيز القدرات الدفاعية على أهميته لا يكفي وحده لمعالجة الأزمة فاستمرار التوترات من دون مسار سياسي جاد قد يكرس الاستنزاف المتبادل ويبقي المنطقة عرضة لموجات متجددة من التصعيد.
كما ينبغي تقييم أي تحرك برلماني أو عسكري مصري لدعم الدفاعات السعودية استنادا إلى المواقف والقرارات الرسمية الموثقة لا إلى المعلومات المتداولة غير المؤكدة.
وتكشف هذه التطورات أن الأزمة اليمنية تجاوزت حدود المواجهات التقليدية وأصبحت مرتبطة بأمن المنطقة والممرات البحرية ومصالح القوى الدولية.
لكن التركيز على أبعادها الإقليمية لا ينبغي أن يحجب مسؤولية الأطراف اليمنية عن حماية المدنيين وتجنب تعريض المنشآت المدنية للخطر والحد من التداعيات الإنسانية والاقتصادية للحرب.
إن استمرار التصعيد في ظل غياب استراتيجية وطنية متماسكة سيضاعف كلفة المواجهة على الدولة والمجتمع.
والمطلوب هو الانتقال من ردود الفعل والبيانات إلى إجراءات عملية تعزز التنسيق الأمني وترفع جاهزية المؤسسات وتحمي المنشآت الحيوية وتضع سلامة المواطنين في مقدمة الأولويات.
كما يمثل توحيد الجهود السياسية والأمنية ومعالجة الاختلالات الداخلية ضرورة لتعزيز قدرة البلاد على مواجهة التحديات.
وفي المقابل يجب ألا تتحول الضرورات الأمنية إلى مبرر لتهميش المسار الإنساني أو تأجيل التسوية السياسية.
فالحرب لا تقاس بنتائجها العسكرية وحدها بل أيضا بالخسائر البشرية وتراجع الاقتصاد وتدهور الخدمات واستنزاف قدرة المجتمع على الصمود.
إن تزامن التصعيد في الجبهات مع تهديد المطارات والموانئ واتساع المخاطر الإقليمية يضع اليمن أمام اختبار بالغ الصعوبة.
أما تحديد ما إذا كانت هذه التطورات تمثل إحدى أسوأ موجات التصعيد مقارنة بالمراحل السابقة فيتطلب بيانات موثقة عن حجم الهجمات والخسائر وآثارها.
ويكمن الخطر الأكبر في تحول التصعيد المتكرر إلى واقع دائم تتآكل معه فرص الاستقرار وتتسع فيه دائرة التدخلات.
لذلك ينبغي أن تتصدر حماية المدنيين والمنشآت الحيوية وصون حرية الملاحة ومنع اتساع المواجهة أولويات التحرك السياسي والأمني بالتوازي مع معالجة جذور الأزمة عبر حوار جاد ومسؤول.
فاليمن لا يحتاج إلى جولة جديدة من الاستنزاف بل إلى استعادة فاعلية مؤسسات الدولة وتخفيف معاناة المواطنين وتهيئة الظروف لتسوية تنهي دوامة الصراع.
وكلما تأخر التحرك الجاد ارتفعت كلفة احتواء الأزمة واتسعت تداعياتها على اليمن والمنطقة.