قبل عشرة أيام تقريباً مرّت علينا ذكرى وفاة العلاّمة الربّاني العدني مولداً الحضرمي الأصل علي بن محمد باحميش رحمه الله،
وحقيقة في كل عام أحاول أن أكتب عن الشيخ باحميش في ذكرى رحيله المأساوية عن دنيانا،
وللأسف الشديد أننا مقصرون مع علمائنا ومفكرينا ورموزنا ولا نجد من يذكّر بهم ويتحدّث عن مناقبهم وما قدموه من تضحيات كبيرة وجهاد قلّ أن نراه في زمننا الحاضر،
لم تكن لدي عن الشهيد باحميش رحمه الله سوى المعلومات العامة أنه أحد العلماء البارزين في عدن وكان يمثل مع الإمام البيحاني النموذج
الأبرز وأنهما تعرّضا لاضطهاد اليسار المتطرف الذي استولى على السلطة في عدن ففر البيحاني إلى تعز ومات فيها، وفارق الحياة باحميش بعد أكثر من عام من تعرّضه لحادث دهس متعمّد بسيارة لاندروفر مرّت فوق جسده المنهك عدة مرات، بعد أن كمنت قريباً من بيته من بعد عصر الأربعاء 30/6/1976م وما أن خرج الشيخ من منزله حتى انفلتت سيارة الموت من مكمنها لتفعل بالشيخ الوقور ما فعلت، ونقل على أثرها إلى المستشفى، وظلّ فيه فترة زمنية وأعيد الى منزله حتى ساءت حالته تماماً ونقل الى المستشفى وتوفاه الله يوم الثلاثاء 11/10/1977م ووُدِّعَ في جنازة مهيبة قلّ نظيرها شارك فيها معظم أهالي عدن،
وأما القاتل المأجور فقد لقي حتفه بشرّ قتلة أثناء أحداث 13يناير 1986م وتمثل فيه وفي أمثاله من المجرمين القول المشهور (وبشر القاتلين بالقتل ولو بعد حين)،
رحم الله الشيخ باحميش فقد ولد في مدينة عدن في 15/3/1910م ونشأ يتيماً منذ العاشرة من عمره بعد وفاة والده، وتتلمذ على الفقيه قاسم السروري في الفقه والنحو وبعض العلوم الإسلامية وهاجر إلى الصومال والحبشة لطلب الرزق عام 1926م.
ثم عاد إلى عدن وافتتح متجراً صغيراً، ولكن طلب العلم ظلّ هاجساً يراوده فسافر إلى مصر وهناك التحق بالأزهر الشريف واختتم فيه رحلته العلمية والدراسية بنيل الإجازة العلمية عام 1938م
كأول خري
ج أزهري قدِمَ من جنوب اليمن،
وعاد إلى عدن وتم تعيينه مديراً لمدرسة بازرعه الخيرية وهي من المدارس النموذجية الرائدة في مدينة عدن، ووضعَ لها اللبنات الأولى للنظم الإدارية والتربوية والتعليمية على نحوٍ يتسم بالحزم والصرامة مستنداً إلى قيم الإسلام المثلى، ولا غرابة أن تغدو هذه المدرسة أنموذجاً يحتذى به، فقد تخرّج منها على مدى عمرها المديد لفيف من العلماء والباحثين والمؤرخين والمهندسين والساسة على مختلف مشاربهم وتوجهاتهم،
وقد تعددت وتنوعت جهود الشيخ باحميش فهو إلى جانب كونه خطيباً مفوهاً وإماماً لأبرز مساجد عدن مسجد العيدروس كان مؤسساً ورئيساً لتحرير صحيفة (الذكرى) أولى الصحف الدينية الأسبوعية التي صدرت في عام 1948م. وتهتم بالقضايا الدينية والاجتماعية،
وشارك في تحريرها معه لفيف من المحررين أبرزهم الأستاذ احمد عوض باوزير رحمه الله
وأصدر بعد ذلك صحيفة (العدني) وهي صحيفة أسبوعية سياسية وقد تعرضتا وناشرهما لحملة شرسة من التيار العلماني الشيوعي وصحفه وكان من أبرز المحاربين للشيخ باحميش صاحب صحيفة المستقبل عبد الله باذيب ذو التوجه الشيوعي الصِرف،
وهنا أتذكر ما أخبرني به الأستاذ محمد سالم باسندوه فقال عندما زرت مصر للمرة الأولى تشرفت بزيارة الرئيس جمال عبدالناصر بترتيب من محمد حسنين هيكل،
فقال حقيقة لن أنسى حفاوة الاستقبال من رئيس أكبر دولة عربية، ومنحي لقاءً مطولاً سأل عن كل صغيرة وكبيرة في عدن،
وسأل عن العلماء ودورهم فقال زلّت لساني وأخبرته عن الشيخ علي باحميش وتأثيره الكبير في المجتمع إلاّ أنه
مناهض للتيار اليساري والقومي، فمباشرة أدار عبدالناصر قرص الهاتف وتحدث إلى شخص آخر قائلاً اسمع يا احمد الليلة عاوزك تنسف واحد في عدن اسمه باحميش،
وقال عدت مساءً إلى سكني وفتحت صوت العرب،
وجاء برنامج أحمد سعيد الذي خصص حديثه عن الشيخ باحميش لم يترك إساءة إلاّ وألصقها فيه وأسواها أنه عميل للاستعمار، فقال لم أنم تلك الليلة فقلت ما الذي جعلني أجيب سيرته لو جرى له شيئاً فسأكون أنا السبب،
فقلت له قد قام الرفاق بالمهمة فيما بعد،
رحم الله الشيخ باحميش وكل العلماء والدعاة الذين حملوا مشاعل النور التي أضاءت طريق العلم للسالكين وقارعت الطغاة والمستبدين.