ما زال الجدل في الجنوب محتدماً حول العلم والنشيد، فيما يعاني الوطن أوجاعًا أكبر من ذلك بكثير؛ من تدهور الخدمات وانهيار مؤسسات الدولة، إلى الأزمات المعيشية، وتراجع القيم الأخلاقية والوطنية.
لقد ثار الجنوب على منظومة الفساد والاستبداد، لا لأن الوحدة في حد ذاتها كانت جريمته. ثار على نظام علي عبد الله صالح حين اتجه نحو توريث السلطة، وأقام شبكة نفوذ قبلية وعسكرية، واحتضن منظومة سياسية فاسدة ضمت شخصيات من الشمال والجنوب، واستُخدمت فيها السلطة والثروة لإقصاء الخصوم وإخضاع القوى التي رفضت الولاء، وكان كثير من ضحايا هذه السياسات في الجنوب.
لكن المشكلة بدأت حين تحولت مظالم الجنوب من قضية عدالة وحقوق ومواطنة إلى صراع بين الشمال والجنوب، وحين ظهرت قوى رفعت شعار حماية الجنوب، بينما اتجه خطاب بعضها نحو المناطقية والطائفية، فأعادت إنتاج الانقسام في صورة جديدة، بدلًا من بناء مشروع وطني يستوعب الجميع.
وهكذا انتقلنا من مواجهة منظومة فاسدة إلى صراعات على الهوية والرموز، ومن المطالبة بدولة المواطنة والعدالة والحريات والديمقراطية والتعدد السياسي والتنوع الفكري، إلى معارك حول علم ونشيد، وكأنهما أهم من حياة الناس وحقوقهم ومستقبل أبنائهم.
أما العلم، فإن اختلاف الرايات والرموز عبر المراحل السياسية لا يلغي حقيقة الروابط التاريخية والوطنية، ولا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتخوين أو الإقصاء. ومن حق الجنوبيين الاعتزاز بتاريخ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ورموزها الوطنية، كما أن من حقهم مناقشة مستقبلهم السياسي بحرية ومسؤولية، بعيداً عن فرض الخيارات بالقوة.
وبالنسبة إلى النشيد، فإن رددي أيتها الدنيا نشيدي هو النشيد الوطني لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل الوحدة، وهو جزء أصيل من الذاكرة الوطنية الجنوبية. أما أي صيغة أخرى يُراد اعتمادها اليوم، فإن مشروعيتها السياسية تحتاج إلى توافق جنوبي واسع، لا إلى قرار أحادي من قوة سياسية بعينها.
وفي المقابل، فإن تنظيم استخدام الرموز الوطنية في المؤسسات والمدارس يخضع للتشريعات والقرارات النافذة، ويجب مناقشة أي خلاف بشأنها في ضوء النصوص القانونية المحددة، لا عبر فرض الأمر الواقع أو تحويل المدارس إلى ساحات للصراع السياسي.
ومن هنا، فإن موقف الأستاذ رياض حسن، ومعه آخرون، في خضم هذا الجدل، ينبغي أن يُناقش على أساس الوقائع والمواقف المعلنة، بعيداً عن التخوين وتبادل الاتهامات. فالدفاع عن الهوية لا يعني إلغاء هوية الآخرين، والتمسك بالقانون لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإنكار التاريخ والذاكرة الوطنية لأي طرف.
إن قضيتنا أكبر من علم ونشيد؛ قضيتنا بناء دولة تحترم الإنسان، وتصون الحقوق والحريات، وتحقق العدالة، وتضمن الشراكة السياسية، وتحتكم إلى القانون والتوافق بدلاً من الإكراه.
فلا نريد وحدة تُفرض بالقوة، ولا انفصالًا يتحول إلى صراع بين أبناء الوطن، ولا رموزاً وطنية تُستخدم لتقسيم الناس وتخوين بعضهم بعضاً.
لقد دفع اليمنيون، شمالاً وجنوبًا، أثماناً باهظة من الدم والدمار. وما يحتاجونه اليوم ليس معركة جديدة حول الرموز، بل مشروع دولة ينهي الفساد والاستبداد، ويحفظ كرامة الإنسان، ويجعل الاختلاف مصدرًا للتنوع لا ذريعة للصراع.
فالأوطان لا تُبنى برفع الرايات وحدها، بل بما تحمله من عدالة وحرية وكرامة ومواطنة متساوية.
أحمد ناصر حميدان