لم يكن اهتمامي بأحمد الميسري نابعًا من كونه صديقا أو وزيرًا سابقًا أو شخصية سياسية تبحث عن العودة إلى واجهة المشهد، بل من تساؤل أعمق يتعلق بشخصه ومواقفه التي تبلورت كمشروع سياسي، وما يمكن أن يمثله في مرحلة بالنسبة لليمن والسعودية من إحتياج إلى شخصيات تتجاوز الحسابات الضيقة، وتعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها وسيادتها وقرارها الوطني.
فالميسري، في تقديري، ليس مجرد منصب سياسي، وإنما مشروع تتشكل ملامحه من مواقفه، ومن طاقته الكبيرة وقدرته على التواصل وجمع المتفرقين حول هدف وطني مشترك. ومشروعه الحقيقي لا ينبغي أن يُختزل في طموح شخصي أو موقع حكومي، بل في ما يمكن أن يسهم به في استعادة الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب الحوثي وإعادة بناء المؤسسات الوطنية.
الميسري والرهان على السعودية
منذ أن بدأت أتابع تحركات الميسري ومواقفه، كان واضحًا لي أن العلاقة مع المملكة العربية السعودية بالنسبة له تمثل عنصرًا مهمًا في قراءته السياسية. فالسعودية كما يرى الميسري ليست مجرد دولة مجاورة لليمن، بل طرف رئيسي في معادلة الأمن والاستقرار، وصاحبة دور محوري في دعم الشرعية اليمنية ورعاية المسارات السياسية والحوار بين المكونات اليمنية.
ومن هنا، فإن ما عبّر عنه الميسري بشأن جدية المملكة في دعم الحوار الجنوبي ورعايته يكتسب أهمية خاصة؛ لأنه يشير إلى إمكانية الانتقال من حالة التنافس والإقصاء إلى مسار سياسي يبحث عن القواسم المشتركة، ويمنح الجنوبيين فرصة للتفاهم على مستقبلهم بعيدًا عن فرض الأمر الواقع.
أعتقد أن أحد أهم الاختبارات أمام الميسري هو قدرته على التعامل مع العلاقة السعودية الإماراتية بوصفها ضرورة استراتيجية لمستقبل اليمن، لا ساحة للمنافسة على النفوذ أو وسيلة لتصفية الحسابات بين القوى اليمنية.
لقد أثبتت التجربة اليمنية أن تباين الحسابات الإقليمية ينعكس مباشرة على أداء القوى المحلية، وأن الانقسامات بين حلفاء المعركة الواحدة تمنح الحوثيين فرصة للاستمرار وتعقيد استعادة الدولة.
والميسري هذا الشأن يعمل على اساس القاعدة المبدئيه أن الرياض هي المسؤولة الاولى عن الملف اليمني شمالا جنوبا وان أي دور لأي طرف اقليمي آخر يجب ان يكون منضويا تحت ادارة واشراف وتوجيهات الرياض
وفي قراءته للمشهد الجنوبي، من الواضح ان الميسري يرى انه لا يمكن بناء مستقبل مستقر للجنوب يقوم على إنكار القوى الموجودة أو مصادرة ما حققته، كما لا يمكن القبول باحتكار تمثيل الجنوب من أي طرف مهما بلغت قوته حيث يرى ان للمجلس الانتقالي الجنوبي حضور وتضحيات ومكتسبات لا يمكن تجاهلها، لكن ذلك لا يمنحه حق إقصاء بقية المكونات أو احتكار القرار الجنوبي. وبالمثل، فإن الاعتراض على بعض سياساته وممارساته لا يعني إلغاءه أو الدعوة إلى الانتقام منه.
وهنا تبرز أهمية الميسري، حيث استطاع أن يقدم نفسه بوصفه طرفًا جامعًا، لا بديلًا إقصائيًا جديدًا. فالجنوب الذي نريده هو جنوب التنوع والشراكة، لا جنوب الخصومة والانقسام؛ جنوب يستطيع أبناؤه الاختلاف حول المستقبل دون أن يتحول اختلافهم إلى صراع على الهوية والتمثيل والسلطة.
الميسري لا يرى تعارضًا كما يراه بعض الجنوبيين بين معالجة القضية الجنوبية واستعادة الدولة اليمنية. فالمشكلة كما يراها ليست في الاعتراف بالمظالم الجنوبية وحقهم في استعادة كرامتهم ودولتهم أو البحث عن صيغة عادلة للمستقبل، وإنما في تحويل القضية إلى أداة للإقصاء أو جعلها مبررًا لإضعاف المؤسسات الوطنية في مواجهة الحوثيين ، ولذلك الميسري في هذا الشأن يرى أن مؤتمر الحوار الجنوبي الجنوبي الذي دعت اليه الرياض هو الطريق الآمن
لانه كما يقول إن أي تسوية عادلة يجب أن تنطلق من الحوار والتوافق والاعتراف بحقوق الناس كلهم دونا تمييز مناطقي او جهوي لان الميسري يرى ان جنوب اليمن مثل شماله ليس سوى تكوينات تاريخيه لهجرات وتداخلات وعلاقات وأدوار بين قبائل الشمال والجنوب من الصعب القبول بغير حقيقة واحدة يراها الميسري اننا كلنا يمنيين وأن اليمن شعب واحد ولكن ذلك عند الميسري لايمنع من خلال الحوار أن تتاح للجنوبيين الاتفاق على شكل الدولة ونظامها السياسي، سواء عبر صيغة اتحادية أو غيرها مما يتوافقون عليه.
أما استعادة الدولة اليمنية من الحوثيين والدفاع عن الجنوب ، فلا تتحقق بالشعارات وحدها والقاء خطابات تعبوية ثورية بل بتوحيد القرار العسكري والأمني، وبناء مؤسسات خاضعة للقانون، وإنهاء الانقلاب الحوثي بتكاثف وتكامل كل القوى الاجتماعية والسياسية تحت قيادة الحكومة الشرعية ورعاية المملكةالعربيةالسعودية بحيث يكون الهدف الأساسي الجامع لهذه القوى اليوم واحد ولا ثاني غيره وهو استعادة العاصمة صنعاء، وإعادة الاعتبار للجمهورية والمواطنة المتساوية.
وهذه هي المساحة التي أعتقد أن الميسري يعمل فيها، حيث جعل مشروعه مفتوحًا أمام الشراكة الوطنية، ولم يحصره في إطار جنوبي ضيق أو حسابات سياسية حزبية او مذهبية مؤقتة.
الميسري.. الفرصة لا الضمانة
لا أتعامل مع أحمد الميسري باعتباره شخصية معصومة من الخطأ، ولا أزعم أن لديه وصفة جاهزة لحل جميع مشكلات اليمن.
لكنني أرى أن المرحلة تحتاج إلى شخصيات تستطيع الجمع بدل التفريق، وبناء التفاهمات بدل توسيع الخصومات، وربط القضية الجنوبية بمشروع وطني يعيد لليمن دولته وسيادته.
إن علاقة الميسري اليوم بالسعودية يمكن أن تكون رصيدًا سياسيًا مهمًا إذا استُخدمت في خدمة هذا الهدف، كما أن قدرته على التواصل مع بقية القوى اليمنية والإقليمية ستظل اختبارًا حقيقيًا لجدوى مشروعه وهذه هي رسالتي ودعوتي ونصيحتي