اليمن..... أولاً
ليست العبرة في المكان الذي يقيم فيه السياسي، بل في مقدار ما يحتفظ به من استقلالية في قراره وإرادته السياسية. ومن هنا، فإن المقارنة بين أحمد الميسري الموجود في سلطنة عُمان، وعيدروس الزبيدي الذي ارتبط مشروعه السياسي والعسكري بدولة الإمارات، تفتح باباً واسعاً لقراءة الفارق بين شخصية تصنع موقفها بنفسها، وأخرى تبدو مواقفها محكومة بحسابات الجهة التي تدعمها.
المثير للاهتمام أن أحمد الميسري يقيم في سلطنة عُمان، وهي دولة تربطها علاقات مع الحوثيين، وتتبنى نهجاً دبلوماسياً مختلفاً عن نهج المملكة العربية السعودية في التعامل مع الملف اليمني، كما تعرضت لانتقادات بسبب مواقف اعتبرها خصومها أقرب إلى إيران. ومع ذلك، فإن الميسري، وفق مواقفه وخطابه السياسي، لم يتخلَّ عن انتقاد المشروع الحوثي أو العلاقة التي تربط الحوثيين بطهران، ولم يجعل وجوده في عُمان سبباً للتراجع عن قناعاته الوطنية.
وهنا يبرز السؤال: هل استطاعت عُمان أن تؤثر في الميسري أو تعيد تشكيل مواقفه بما يتناسب مع حساباتها الإقليمية؟ أم أن طبيعة هذه الشخصية تجعل من الصعب إخضاعها أو ترويضها سياسياً؟ لا يمكن الجزم بما يدور خلف الكواليس، لكن الثابت في هذه المقاربة أن الإقامة في دولة لا تعني بالضرورة الارتهان لمواقفها، وأن استقلال القرار يُقاس بالموقف لا بعنوان الإقامة.
في المقابل وهنا يبرز المشريك رجل حافظ على استقلاليته وارادته الحره مع انه موجود في سلطنه عمان، في المقابل الاخر تبدو تجربة عيدروس الزبيدي مختلفة؛ فقد ارتبط صعود المجلس الانتقالي الجنوبي سياسياً وعسكرياً بالدعم الإماراتي، الأمر الذي يطرح تساؤلات مشروعة حول مساحة القرار المستقل لديه، ومدى قدرته على اتخاذ مواقف تتعارض مع حسابات داعميه.
ولذلك، تبدو الصورة في نظر منتقديه وكأن الزبيدي قلمٌ بيد محرر، تتحرك خطوطه وفق إرادة من يمسك به، بينما يبدو الميسري أقرب إلى السياسي الذي يحتفظ بقلمه وحقه في كتابة موقفه بنفسه.
الخلاصة أن قيمة السياسي لا تُقاس بحجم الدعم الذي يتلقاه، بل بمقدار ما يستطيع الاحتفاظ به من إرادته المستقلة. فالدعم الخارجي قد يصنع نفوذاً، وقد يمنح صاحبه قوة عسكرية وإعلامية، لكنه لا يصنع بالضرورة قائداً مستقلاً. وفي المقابل، قد يكون السياسي بعيداً عن وطنه جغرافياً، لكنه أقرب إلى استقلال قراره الوطني من سياسي يقيم في قلب عاصمة داعمة له.
وهنا يكمن الفارق الذي يستحق أن يتأمله اليمنيون بين الميسري والزبيدي: من يوظف علاقاته الخارجية لخدمة مشروعه الوطني، ومن يوظَّف مشروعه السياسي لخدمة حسابات الآخرين؟