آخر تحديث :الثلاثاء-20 أكتوبر 2026-01:24ص

أخطر من خلايا الحوثيين والطابور الخامس في عدن!

السبت - 17 أكتوبر 2026 - الساعة 02:54 م
نبيل العوذلي


في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى خلايا الحوثيين والطابور الخامس الموالي لهم في عدن، أرى أن هناك خطرًا آخر لا يقل خطورة، بل قد يكون أشد تأثيرًا على مستقبل المدينة، وهو الخطاب الذي يستهدف تمزيق نسيجها الاجتماعي والثقافي والسياسي والنفسي، تحت شعارات الهوية والانتماء.

إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له عدن هو أن يتحول الخلاف السياسي إلى مشروع لفرز أبنائها وتصنيفهم على أساس أصولهم ومناطقهم، وأن يصبح الحديث باسم «الجنوب العربي» وسيلة لنفي الهوية اليمنية عن أبناء الجنوب، وتقسيم المجتمع العدني إلى جنوبي أصيل وآخر يُنظر إليه باعتباره غريبًا أو وافدًا، حتى لو كانت أسرته قد استقرت في عدن قبل عقود طويلة، وربما قبل وجود بعض الذين يتحدثون اليوم باسم المدينة والجنوب.

عدن لم تكن يومًا مدينة اللون الواحد أو الأصل الواحد. فمنذ طفولتي، عرفت جيراني وزملائي في المدرسة خليطًا اجتماعيًا متنوعًا من أبناء الشمال والجنوب، ومن أصول هندية وصومالية وأفريقية وغيرها. عشنا معًا، وتقاسمنا الحارات والمدارس والأفراح والأحزان، ولم تكن أصولنا الجغرافية يومًا معيارًا لتحديد من يستحق عدن ومن لا يستحقها.

هذه هي عدن التي عرفناها، مدينة التعايش والتنوع والانفتاح، لا مدينة التصنيف والفرز المناطقي.

أما أن يأتي اليوم من يريد تقسيم أهلها، فيقول: هذا من تعز، وهذا من البيضاء، وهذا من إب، وهذا من صنعاء، وكأن الانتماء إلى هذه المناطق تهمة، فذلك خطاب خطير يهدد الروابط التي صنعتها عقود من الجيرة والمصاهرة والصداقة والتاريخ المشترك.

والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب قد يمنح الحوثيين فرصة ثمينة لاختراق المجتمع من بوابة المظالم والشعور بالإقصاء. فعندما يشعر مواطن عدني أو جنوبي، مهما كان أصله، بأن انتصار القوى التي تواجه الحوثيين يعني تهديدًا لهويته أو وجوده أو مستقبل أبنائه، فقد يتراجع عن دعمها، وربما يتعاطف مع خصومها. وهنا تتحول الخطابات الإقصائية إلى خدمة مجانية للمشروع الحوثي، حتى إن لم يكن أصحابها يقصدون ذلك.

إن مواجهة الحوثيين لا تكون بالسلاح وحده، بل بحماية المجتمع من كل خطاب يمزقه من الداخل. ولا يمكن بناء دولة أو تحرير وطن بخطاب يقسم المواطنين إلى أصيل ودخيل، ويمنح البعض حق الانتماء ويحرم الآخرين منه.

إنني أدعو أبناء عدن، بكل تنوعهم وأصولهم، من الضالع ويافع والبيضاء وتعز وإب وصنعاء، ومن كل مناطق اليمن، وكذلك أبناء الأسر ذات الأصول الهندية والأفريقية والصومالية، إلى التمسك بتاريخهم المشترك، والدفاع عن مدينتهم في وجه كل مشروع يسعى إلى تحويل التنوع إلى عداوة، والاختلاف إلى إقصاء.

وليس من حق أحد أن يحتكر عدن أو يتحدث باسمها وحده، فعدن أكبر من المشاريع المناطقية، وأوسع من الشعارات التي تحاول اختزالها في هوية ضيقة.

اعتبروا بمأرب التي فتحت ذراعيها لكل اليمنيين شمالا وجنوبًا على أساس المفهوم الوطني ومفهوم المواطنه فكلهم تحولوا لمأرب جنود للدفاع وحمايه مأرب من الحوثيين وخلايا الحوثيين

إن عدن التي نريدها هي عدن المواطنة والتعايش، لا عدن الفرز والتصنيف؛ عدن التي تجمع أبناءها، لا التي تجعلهم غرباء في بيوتهم وبين جيرانهم.

فلنحذر خلايا الحوثيين، ولنواجه الطابور الخامس، ولكن لنحذر أيضًا كل خطاب يزرع الكراهية بين أبناء عدن؛ لأن العدو الذي ينجح في تفكيك المجتمع من الداخل قد يحقق ما تعجز عنه الجيوش من الخارج.

عدن تجمعنا، وتاريخنا المشترك أقوى من كل مشاريع التفرقة.