مما يلاحظ اليوم أن حال النازح أصبح يعتمد على المعروف والصداقة والقريب، فالذي معه صاحب أو قريب أو معرفة في قرية آمنة قد يجد من يؤويه ويستره، فيفتح له بيتاً من البيوت أو حتى بيته ويتقاسم معه اللقمة مؤقتاً، فيستر عليه هو وأطفاله وأسرته ويقول له أهلاً وسهلاً بيتنا بيتك، وهذا من طيب الناس وكرمهم واعرافهم في مديرياتنا طورالباحة، وما زال الخير موجوداً، لكن المشكلة فيمن لا يملك هذا المعروف ولا يوجد معه صديق في هذه القرية أو الأخرى على مستوى المديرية بشكل عام.
فالذي ما معه أحد، لا قريب ولا صاحب ولا معرفة، فمصيره والله إنساني صعب جداً كما نسمع، فلا يعرف إلى أين يصل، يمشي بأطفاله إلى المجهول، وكل ما يملكه حقيبة على ظهره وضع فيها ما استطاع حمله من عمره كله، وعيونه تدور تبحث عن بيت يأويه ولا فربما لايجد من يساعده، هل ينام في مدرسة ولا يعرف حتى أين موقعها، أم ينام تحت شجرة والبرد والرياح تأكل عظامه وعظام أطفاله، أم ينام في الخلاء وهو معرض للمخاطر، وخاصة في الأيام الأولى فهو ترك كل شيء خلفه، ترك بيته وفراشه ومطبخه وذكرياته وما يملك، ولم يبحث سوى عن من يؤويه أولاً، ثم أكلاً وماءً، فالستر عنده قبل كل شيء، يطلب سقفاً يستر أطفاله وبناته، فما بالكم بالأكل والماء وغيره وهو في حالة خروج قسري خرج خائفاً مذعوراً.
وهذه والله مأساة كبيرة، نزوح فوق نزوح وتعب فوق تعب ومعاناة فوق معاناة، وجع وقهر لا يشعر به إلا من ذاقه، أن تخرج من بيتك لا تعرف هل ستعود إليه أم لا، أن ترى أطفالك ينظرون إليك وأنت لا تملك لهم جواباً عن سؤالهم... أين سننام اليوم، وماذا سنأكل وأين سوف نستقر؟
لهذا مناشدتنا للمعنيين من الدولة والمنظمات الإنسانية، أنه من المفترض قبل أن تحصل أي موجة نزوح أن تكون الدولة والمنظمات والمعنيون حاضرين وقد جهزوا مخيمات في مكان محدد داخل المديرية المتوقع إليها النزوح، ويعلن عنه للناس مسبقاً، مخيمات مسبقة وجاهزة فيها خيام مرتبة وفيها ماء وفيها حمامات وفيها أمان وفيها كرامة، حتى يتمكن أولئك النازحون من الوصول إليها مباشرة دون عناء ولا تعب ولا بحث عن من يؤويهم ولا طرق لأبواب الناس.
فبعض النازحين من عفته وعزته من الصعب أن يسأل الناس أين أنام، فيموت جوعاً ولا يسأل، يموت برداً ولا يمد يده، لهذا يجب أن يعرف النازح أن هناك مكاناً ينتظره، مكاناً يحفظ كرامته لأن النزوح بحد ذاته كسر للكرامة، كسر للرجل أمام أسرته عندما لا يستطيع أن يوفر لهم مأوى، فلا تزيدوا كسره.
فيا إخوة يجب أن نستشعر أن النزوح ليس رحلة وليس سياحة، النزوح وجع وألم وحرب وتشرد وقهر، ربما في تلك الأسر أم تحمل طفلها المريض ولا تملك له دواء، وأب يحمل ما تبقى من عمره بعجز شديد وانكسار، وطفل صغير يسأل أمه أين سننام اليوم وماذا سنأكل، وكل أولئك لا يملكون إلا كيساً واحداً استطاعوا ان يحملوه، لكل ما يملكون في هذه الدنيا
لذا نكرر النداء اى إخواننا قيادة السلطات والمنظمات وفاعلي الخير، وكذلك المجتمع المستضيف، توجب عليكم اليوم حمل الاستشعار الإنساني والعرفي والديني الشديد والسريع في أمر النازحين، وذلك قبل كل شيء أن تجهزوا لهم مكاناً قبل أن يجهزوا هم دموعهم وحسرتهم ووجعاً فوق وجع، لأن من معه معرفة سيتدبر حاله، لكن ماذا عن المسكين الذي لا يعرف أحداً، ذلك الذي خرج من قريته لا يعرفه أحد في القرية أو في المدينة، إلى أين يذهب، من يأويه، من يستر عليه، من يقول له تعال، هذه هي القضية التي يجب أن نفكر بها جميعاً قبل أن يأتي يوم نكون نحن في مكانه لا سمح الله.
*✍️ المستشار الإعلامي للسلطة المحلية م/ طورالباحة*