حين يتحدث البعض عن التدخل السعودي في اليمن كأنه خيار سياسي عابر، أو مغامرة إقليمية، فإنهم يتجاهلون حقيقة الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك. السعودية لم تذهب إلى اليمن، السعودية عادت إلى اليمن. لأن اليمن ليس خاصرة المملكة فحسب، بل هو رئتها الجنوبية، وعمقها الاستراتيجي، ومرآة أمنها القومي.
ومنذ اليوم الأول لعاصفة الحزم في 2015، انقسمت القراءات بين حقيقة تعرفها الرياض جيدًا، وشكوك يروج لها خصومها. فما هي حقيقة المصالح؟ وأين تقف حدود الشكوك؟
أولاً حقيقة المصالح ولماذا لا تستطيع الرياض إدارة ظهرها لليمن
المصالح السعودية في اليمن ليست نفطية ولا توسعية كما يتوهم البعض، بل هي مصالح وجودية من الطراز الأول، ويمكن تلخيصها في أربعة أركان:
1 – مصلحة الأمن القومي المباشر
أكثر من 1400 كيلومتر من الحدود البرية المفتوحة بين البلدين. أي فراغ أمني في صعدة أو الجوف يتحول خلال ساعات إلى صواريخ ومسيرات على جازان ونجران وعسير، وإلى تهريب للمخدرات والسلاح. أمن اليمن هو أمن الرياض، هذه ليست مقولة بل معادلة عسكرية.
2 – مصلحة الشرعية ومنع الاختطاف الإيراني
الرياض لم تتدخل ضد مكون يمني، بل تدخلت بعد انقلاب مسلح اختطف الدولة. عندما سقطت صنعاء في يد الحوثي، المدعوم بشكل معلن من طهران، كان المشروع ليس يمنياً بل مشروع تصدير الثورة وتطويق المملكة من الجنوب. لو نجح هذا التطويق، لكان لدينا حزب الله آخر على حدودنا الجنوبية يدار من الضاحية الجنوبية لبيروت.
3 – مصلحة أمن البحر الأحمر والاقتصاد العالمي
باب المندب، الذي يمر عبره 12% من التجارة العالمية، أصبح تحت تهديد مباشر. السعودية التي تطلق رؤية 2030 ومشاريعها العملاقة في نيوم والبحر الأحمر، لا يمكنها أن تسمح بتحويل البحر الأحمر إلى بحيرة إيرانية غير آمنة.
4 -المصلحة الإنسانية والتنموية
السعودية هي أكبر مانح لليمن في التاريخ الحديث. أكثر من 20 مليار دولار عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. الرياض بنت المطارات والمستشفيات والمدارس في اليمن بينما كانت طهران ترسل الخبراء والصواريخ. وهذه هي المفارقة الكبرى.
ثانياً حدود الشكوك وتفنيد الروايات المضادة
رغم وضوح المصالح، هناك ثلاث شكوك كبرى روجت لها آلة الدعاية المعادية، وآن أوان تفنيدها:
الشك الأول السعودية تريد تقسيم اليمن واحتلال موانئه
لو أرادت الرياض ذلك لفعلتها منذ عقود. السعودية هي الدولة الوحيدة التي وقفت تاريخياً مع يمن موحد وقوي. دعمها للمجلس الرئاسي، ورفضها لمشاريع التشطير، وجهودها لجمع الفرقاء في الرياض، دليل على أن مصلحتها في يمن موحد لا يمن ممزق يصبح ملاذاً للإرهاب.
الشك الثاني السعودية أطالت الحرب لمصالحها
الحقيقة أن السعودية هي من قدمت المبادرات تلو المبادرات. مبادرة الرياض 2021، وخارطة الطريق الأممية التي دعمتها المملكة، وإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد أكثر من مرة. الطرف الذي يرفض السلام ويعتقد أن الوقت في صالحه هو من يراهن على الدعم الإيراني، وليس من يدفع فاتورة الحرب اقتصادياً وإنسانياً.
الشك الثالث السعودية خسرت
من يقيس النصر بعدد المعارك لا يفهم طبيعة الصراع. السعودية نجحت في هدفها الاستراتيجي الأكبر: منع سقوط اليمن كاملاً في حضن المشروع الإيراني، والحفاظ على الشرعية كإطار دولي، وتأمين حدودها، ومنع إنشاء دولة حوثية تهدد الملاحة. الحرب لم تنته، لكن الكارثة الكبرى تم منعها.
الخاتمة من الحزم إلى العزم
اليوم، السعودية لا تقاتل في اليمن فقط، بل تفاوض من أجل اليمن. انتقالها من عاصفة الحزم إلى سياسة العزم، أي بناء السلام، هو تحول استراتيجي محسوب. هي تدرك أن الحل العسكري وحده لا يكفي، وأن الحل هو يمن مستقر تحكمه دولة لا ميليشيا.
السعودية في اليمن ليست قوات عابرة، بل هي جار لا يستطيع أن ينام وجاره يحترق. حقيقة مصالحها نبيلة ومشروعة، وحدود الشكوك حولها مصنوعة في معامل الخصوم.
ومن يقرأ التاريخ يعلم بان من يحفظ اليمن، يحفظ جزيرة العرب كاملة
بقلم الكاتب الدكتور فواز صايل الرويلي
رئيس تحرير صحيفة حقائق الأخبار الإلكترونية السعودية