آخر تحديث :الخميس-15 أكتوبر 2026-01:38ص

جبهات الصبيحة.. بين ضغط مليشيا الحوثي واستحقاقات الأمن الاستراتيجي

الخميس - 15 أكتوبر 2026 - الساعة 12:21 ص
صديق الطيار


كتب/ صدّيق الطيار


ليست جبهات المضاربة ورأس العارة في الصبيحة، بمحافظة لحج، مجرد خطوط تماس عسكرية على أطراف الجغرافيا اليمنية، بل تمثل إحدى النقاط الحساسة التي تتقاطع عندها اعتبارات الدفاع عن الأرض مع حسابات الأمن الاستراتيجي للساحل الغربي ومحيط مضيق باب المندب.


ومن هنا، فإن الضغوط العسكرية المتواصلة التي تواجهها قبائل الصبيحة منذ نحو شهر، في ظل محاولات مليشيات الحوثي المدعومة من إيران اختراق خطوط المواجهة، تضع القوى الوطنية أمام اختبار حقيقي للمسؤولية والقدرة على استيعاب طبيعة المرحلة.


فالمسألة لم تعد تتعلق بمدى قدرة المقاتلين على الصمود وحدهم، وإنما بمدى استعداد القوى المعنية لتحويل أهمية هذه الجبهات إلى أولوية عملية في خطط الإسناد والتنسيق والاستعداد لمواجهة التطورات المحتملة.


جبهة لا تحتمل الانتظار


تدرك قبائل الصبيحة، بما تمتلكه من رصيد نضالي واجتماعي، أن الدفاع عن الأرض لا يقبل المساومة، وأن التراجع أمام محاولات الاختراق قد يفتح الباب أمام تعقيدات ميدانية يصعب احتواء تداعياتها لاحقاً. لكن الإرادة القتالية مهما بلغت صلابتها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الإسناد العسكري المنظم، ولا ينبغي أن تتحول تضحيات المقاتلين إلى مبرر لتحميلهم وحدهم أعباء المواجهة.


إن استمرار الضغط الحوثي على جبهات المضاربة ورأس العارة يستوجب تحركاً عاجلاً من القيادات السياسية والعسكرية لتقييم الاحتياجات الفعلية للجبهة، وتعزيز قدرات المدافعين عنها، وضمان توافر الإمدادات اللازمة، ورفع مستوى التنسيق بين القوات والتشكيلات المعنية.


وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور القيادي للفريق الركن محمود الصبيحي، عضو مجلس القيادة الرئاسي، في متابعة أوضاع الجبهات في المضاربة ورأس العارة، وتنسيق الجهود الرامية إلى تعزيز صمودها، بما يتناسب مع حساسية الموقع وطبيعة التحديات القائمة.


كما أن إسناد قبائل الصبيحة لا ينبغي أن يظل محصوراً في محيطها الجغرافي أو الاجتماعي، بل يجب أن يتحول إلى مسؤولية وطنية مشتركة، تتكامل فيها الأدوار العسكرية والسياسية والقبلية، بعيداً عن الحسابات الضيقة التي قد تمنح الخصم فرصة لاستثمار التباينات الداخلية.


الجغرافيا التي تمنح المعركة أبعاداً استراتيجية


تنبع حساسية جبهات المضاربة ورأس العارة في الصبيحة من موقعها القريب من الساحل الغربي ومضيق باب المندب، بما يجعل استقرارها جزءاً من معادلة أمنية تتجاوز حدود محافظة لحج.


فمضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية الدولية، وتنبع أهميته من دوره في ربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، فضلاً عن ارتباطه بحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. ولذلك، فإن أي اضطراب أمني في محيطه يكتسب أهمية إقليمية ودولية، خصوصاً في ظل التوترات التي شهدتها المنطقة والتهديدات التي تعرضت لها الملاحة البحرية.


ومن هنا، فإن حماية جبهات الصبيحة تمثل جزءاً من حماية الاستقرار الساحلي، وتعزيز قدرة القوى الوطنية على منع فرض وقائع عسكرية جديدة بالقرب من أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.


رهان الحوثيين على الثغرات


تستفيد مليشيات الحوثي في العادة من تشتت خصومها، وضعف التنسيق بينهم، وانشغالهم بالخلافات السياسية، أكثر مما تستفيد من قوتها الذاتية وحدها. ولذلك فإن مواجهة محاولاتها لاختراق جبهات الصبيحة تتطلب معالجة أي اختلال في منظومة الإسناد والتنسيق، وعدم السماح بتحويل التباينات بين القوى المناهضة للحوثيين إلى ثغرات يستثمرونها ميدانياً.


ولا يكفي في هذا السياق إطلاق المناشدات أو التأكيد على أهمية المنطقة، ما لم تتبع ذلك خطوات عملية تستجيب لاحتياجات الجبهة وتضمن استمرار قدرتها على الصمود. فالمسؤولية الوطنية تُقاس بمدى تحويل المواقف إلى إجراءات، وبالقدرة على التحرك قبل أن تتفاقم المخاطر، لا بعد وقوع الاختراقات واتساع تداعياتها.


كما أن دعم الجبهة يجب أن يستند إلى تقدير عسكري دقيق، وتوزيع واضح للمسؤوليات، وتكامل بين القيادات المعنية، بما يمنع الارتجال ويعزز الجاهزية في مواجهة مختلف الاحتمالات.


مناشدة تتجاوز حدود الصبيحة


إن ما تواجهه قبائل الصبيحة اليوم يستدعي استجابة وطنية تتناسب مع طبيعة المعركة وأهمية الموقع. فالمطلوب ليس مجرد إبداء التضامن مع المقاتلين، بل حشد الجهود السياسية والعسكرية والاجتماعية لإسنادهم، وإدراك أن حماية هذه الجبهات مسؤولية تتقاسمها جميع القوى التي ترى في مواجهة الحوثيين أولوية وطنية.


وتكتسب هذه المسؤولية أهمية إضافية في ظل التداخل بين أمن الجبهات البرية واستقرار المناطق الساحلية، وما يفرضه ذلك من ضرورة الربط بين متطلبات الدفاع المحلي والرؤية الأوسع لأمن البحر الأحمر ومحيط باب المندب.


إن ترك الجبهات الحيوية تواجه ضغوطاً متواصلة دون استجابة تتناسب مع احتياجاتها قد يرفع كلفة المواجهة مستقبلًا، في حين أن التحرك المبكر والمنظم يتيح احتواء المخاطر وتعزيز فرص الاستقرار.


معركة الإرادة والمسؤولية


في المحصلة، تقف قبائل الصبيحة أمام مواجهة تتطلب صلابة المقاتلين وحكمة القيادات وجدية الإسناد. وهي معركة لا يجوز اختزالها في إطارها القبلي أو المحلي، بالنظر إلى ما تمثله مناطق المضاربة ورأس العارة من أهمية جغرافية وأمنية.


لكن صمود القبائل، رغم أهميته، لا يعفي المؤسسات المعنية من واجباتها، ولا يجعل من التضحيات المحلية بديلاً عن المسؤولية العسكرية والوطنية المشتركة.


إن جبهات الصبيحة تحتاج اليوم إلى موقف يتجاوز بيانات التضامن، وإلى إسناد يوازي خطورة التحديات، وإلى تنسيق يمنع استغلال الثغرات. فالدفاع عن المضاربة ورأس العارة ليس شأناً محلياً معزولاً، بل جزء من معركة أوسع لحماية أمن الساحل الغربي ومحيط باب المندب.


وفي مثل هذه اللحظات، لا تُقاس المسؤولية بما يُقال عن أهمية الجبهة، بل بما يقدم لها من دعم يحفظ صمودها ويحول دون انكشافها أمام المخاطر.