آخر تحديث :الخميس-15 أكتوبر 2026-01:38ص

«ثأر ولدك عندي».. الأمير محمد بن سلمان ورسالة الوفاء التي تتجاوز العزاء

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - الساعة 11:44 م
صديق الطيار


كتب/ صدّيق الطيار


ليست كل كلمات العزاء عبارات تُقال لتخفيف ألم الفقد، فبعضها يحمل من المعاني ما يتجاوز المواساة، ليعبّر عن الوفاء، ويجسد مسؤولية الدولة تجاه أبنائها الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الوطن. وحين يقول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لوالد الشهيد الجندي أول عبدالله بن فيصل السبيعي: «ثأر ولدك عندي» و«تعدّني واحد من عيالك»، فإننا أمام رسالة تختصر أبعاداً إنسانية ووطنية وأمنية، تتصل بمكانة الشهداء في وجدان الدولة، وبمسؤوليتها تجاه أسرهم، وبحماية المجتمع من الإرهاب والتطرف.


في المكالمة التي جمعت الأمير محمد بن سلمان بوالد الشهيد السبيعي، لم تكن الكلمات مجرد واجب عزاء رسمي، بل حملت لغة قريبة من وجدان الأب المفجوع، الذي فقد ابنه وهو يؤدي واجبه في الدفاع عن وطنه. بدأ ولي العهد حديثه بالدعاء والمواساة، ثم انتقل إلى تأكيد أن تضحيات الشهداء لا تُنسى، وأن أبناء المملكة الذين يواجهون المخاطر دفاعًا عن أمنها وكرامتها يحظون بمكانة تتجاوز حدود التقدير المعنوي.


*«ثأر ولدك عندي».. وعد بالمسؤولية والردع*


تحمل عبارة «ثأر ولدك عندي» دلالة تتجاوز وقعها العاطفي المباشر، فهي في سياق الحديث عن مواجهة الإرهاب تعبير عن التزام بملاحقة المسؤولين عن استهداف أمن السعودية، ومنع الجماعات المتطرفة من الإفلات من المساءلة. إنها رسالة إلى أسر الشهداء بأن دماء أبنائهم ليست شأناً عابراً، وإلى كل من يهدد أمن المملكة بأن الدولة ماضية في أداء مسؤوليتها في حماية مواطنيها.


والثأر هنا، في معناه الوطني، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة إلى الانتقام خارج القانون، بل باعتباره تأكيداً على مبدأ المحاسبة، وملاحقة المتورطين في الجرائم الإرهابية، وتعزيز قدرة المؤسسات الأمنية والعسكرية على منع تكرارها. فالدولة القوية هي التي تجمع بين الحزم في مواجهة الإرهاب والالتزام بالقانون والعدالة.


«تعدّني واحد من عيالك».. إنسانية القيادة في لحظة الفقد


أما العبارة الثانية، «تعدّني واحد من عيالك»، فتفتح نافذة على البعد الإنساني في العلاقة بين القيادة وأسر الشهداء. فالأب الذي فقد ابنه لا يحتاج إلى كلمات التعزية وحدها، بقدر حاجته إلى الشعور بأن تضحياته وتضحيات أسرته محل تقدير، وأن ابنه الذي رحل دفاعاً عن وطنه لن يُترك ذكره للنسيان.


وحين يضيف ولي العهد أن مقام الشهيد الجندي أول عبدالله بن فيصل السبيعي هو مقام أبناء المملكة جميعاً، وأن الوطن لا ينسى المخلصين الذين ضحوا بأرواحهم من أجله، فإنه يضع التضحية في إطارها الوطني الأوسع، فالشهادة ليست خسارة أسرة وحدها، بل جرح يمس المجتمع، ومسؤولية تستدعي الوفاء والتكافل ورعاية ذوي الشهداء.


وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من أن الوفاء الحقيقي لا يتوقف عند لحظة العزاء، وإنما يمتد إلى الرعاية المستمرة لأسر الشهداء، والاهتمام باحتياجاتهم، وصون كرامتهم، وتوفير ما يعينهم على مواجهة أعباء الحياة بعد فقدان أحبائهم.


الشهداء والذاكرة الوطنية


في المحصلة، تكشف هذه المكالمة عن تداخل ثلاثة معانٍ أساسية: مواساة الأب المفجوع، والوفاء لتضحية الابن، والتأكيد على مسؤولية الدولة في حماية أمنها ومحاسبة من يهددونه.


قد تختصر جملة واحدة ما تعجز عنه خطابات طويلة، ليس لقوة ألفاظها وحدها، بل لما تحمله من التزام ينبغي أن يجد طريقه إلى الممارسة والسياسات المستدامة. فمكانة الشهداء تُصان حين تبقى تضحياتهم حاضرة في الذاكرة الوطنية، وحين تجد أسرهم الرعاية التي تستحقها، وحين تواصل مؤسسات الدولة أداء واجبها في حماية المجتمع ومواجهة الإرهاب.


وهكذا، تتجاوز عبارة «ثأر ولدك عندي» حدود المواساة لتصبح تذكيراً بثقل الأمانة، فيما تمنح عبارة «تعدّني واحد من عيالك» الأب المفجوع معنى آخر للسند في لحظة الانكسار.


إن الوفاء للشهداء لا يُقاس بحرارة الكلمات وحدها، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى التزام دائم، فالأوطان التي تحفظ تضحيات أبنائها، وترعى أسرهم، وتتمسك بالعدالة في مواجهة من يستهدف أمنها، تجعل من الوفاء قيمة راسخة، ومن التضحية مسؤولية لا تسقط بالتقادم.