آخر تحديث :الخميس-15 أكتوبر 2026-01:38ص

الشرعية تحتفل بأكتوبر، والمتقاعدون يحتفلون بالجوع

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - الساعة 10:18 م
محمد أحمد العولقي


في الرابع عشر من أكتوبر تنشر الصور القديمة بندقية على كتف، وجبل في الخلفية، ووجوه لم تعرف المكيفات ولا الوفود. وبعد ساعات يلقي ما يسمى بالشرعية كلمات عن الوفاء لرجال الثورة، بينما رجال الجيش الذين أفنوا أعمارهم في الخدمة يقفون في طابور لا يتحرك، يسألون عن مرتب لا يأتي.

هؤلاء هم المتقاعدون العسكريون، أكثر فئة في البلاد وعدت ثم نسيت ثم وعدت من جديد لتنسى بطريقة أكثر تنظيما. خدموا ثلاثة عقود تحت الشمس والأوامر، وسلموا أجسادهم وأعصابهم وأجمل سنواتهم، ثم حين جاء وقت الحساب اكتشفوا أن الدولة التي خدموها قررت أن تتقاعد هي الأخرى، لكن من واجباتها فقط.

تأمل المشهد يا صاحبي. رجل ستيني بزيه القديم المكوي بعناية، يحمل ورقة مختومة تثبت أنه خدم الوطن، ويسأل الموظف متى يصرف المرتب؟ فيجيبه الموظف بنبرة الخبير تعليمات من فوق. وهكذا تحولت كلمة فوق إلى أعظم كيان إداري في تاريخ البلاد يأمر ولا يرى، ويؤجل ولا يسأل، ويتحمل مسؤولية كل شيء ولا يتحمل مسؤولية أي شيء.

وفي البيت أسئلة أخرى لا تعرف التعليمات. صاحب البقالة ينتظر دينه، وصاحب الإيجار لا يؤمن بالوعود الحكومية، والدواء لا يصرف بالبيانات، والمدرسة لا تقبل قريبا رسوما دراسية. والأب الذي علم أبناءه أن الوطن أغلى من كل شيء يجلس الليلة يفكر كيف يشرح لهم أن الوطن، لسبب ما، لا يدفع.

أما الذين يتحدثون باسم الدولة فلا مشكلة لديهم في الانتظام. مواكبهم منتظمة، وفنادقهم منتظمة، ومؤتمراتهم أكثر انتظاما من مواعيد الصلاة. وحده مرتب من حمل السلاح اختار أن يعيش حياة بوهيمية، يأتي متى شاء ويغيب متى شاء، ويترك أصحابه يتعلمون الفلسفة قسرا كيف تعيش على الأمل، وكيف تكتفي بالذكريات.

ولا بد من الاعتراف بالبراعة. فهم يستدعون الجندي حين يحتاجون صورته في الخطب، ويغيبونه حين يحتاج الجندي خبزه. يرفعونه شعارا على المنصات، ويسقطونه من الكشوفات. يقولون جيش وطني أمام الكاميرات، وأمام الصراف يتبين أن الجيش الوطني الوحيد الذي يعتنى به هو الذي يصلح للتصوير.

إلى متقاعدي الجيش، يا من وقفتم حيث لم يقف غيركم أنتم لستم عبئا على الميزانية، بل أنتم الميزانية الأخلاقية التي أفلست أمامها كل بيانات الشرعية. وأكتوبر الذي انتصر فيه رجال بلا مال ولا إعلام ما كان لينتصر لو انتظروا قرارا من فوق.

كل أكتوبر وأنتم الأوفياء وهم أدرى بمن يحتفلون، ولمن يؤجلون.