ليس أكثر إيلاما على الأوطان من أن تتحول أحلام أبنائها إلى ذكريات، وأن يصبح البحث عن حياة طبيعية مطلبا استثنائيا في بلد كان يفترض أن تمنحه أرضه وتاريخه وموقعه الجغرافي فرصا واسعة للنهوض. واليمن، الذي حمل في ذاكرة التاريخ صورة الحضارة والإنسان المكافح، يجد نفسه اليوم أمام أزمة تجاوزت حدود الحرب العسكرية، لتصبح أزمة دولة واقتصاد وثقة ومستقبل.
هنا، لا تقف المأساة عند خطوط الجبهات، ولا تنتهي عند حدود المدن التي أنهكها القتال؛ إنها تمتد إلى منزل ينتظر صاحبه راتبا لا يصل، وأم تحسب ما تبقى من الطعام، وشاب يكتشف أن سنوات عمره تمضي بين البطالة والاغتراب، وطفل يكبر في بلد يسمع فيه عن السلام أكثر مما يختبره في حياته.
فكيف وصل اليمن إلى هذا المنعطف؟ وكيف أصبح الوطن، بكل ما يملكه من تاريخ وإمكانات بشرية وموقع استراتيجي، ساحة تتقاطع فيها المشاريع السياسية والعسكرية، بينما تتراجع الدولة وتتسع معاناة المجتمع؟ وهل تكمن الأزمة في استمرار الحرب وحدها، أم في منظومة أعمق من الأخطاء والانقسامات التي جعلت إنهاء الحرب أكثر تعقيدا من إشعالها؟
إن الإجابة لا تبدأ من حدث واحد، ولا يمكن اختزالها في طرف واحد، لكنها تبدأ من الاعتراف بأن اليمن لم يصل إلى واقعه الراهن فجأة؛ لقد تراكمت أزماته عبر سنوات من الاختلال السياسي وضعف المؤسسات وتنازع السلطة، حتى جاءت الحرب لتفتح أبوابا واسعة للانهيار، وتحول الخلافات الداخلية إلى صراع تتداخل فيه الحسابات الإقليمية والدولية.
من أزمة الدولة إلى دولة الأزمات
قبل عام 2011، كان اليمن يواجه اختلالات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، من بينها ضعف المؤسسات، وتفاوت التنمية، وأزمات الحكم، والقضية الجنوبية، والنزاع في صعدة. ثم جاءت الاحتجاجات الشعبية عام 2011 لتفتح الباب أمام مرحلة انتقالية حملت آمالا واسعة بالتغيير، لكنها واجهت تحديات كبيرة في إعادة بناء النظام السياسي ومعالجة أسباب الاحتقان.
لم تتمكن المرحلة الانتقالية من تحويل التوافقات السياسية إلى دولة راسخة تستطيع احتواء الخلافات وإدارة التنافس وفق قواعد مستقرة. وجاء استيلاء الحوثيين على صنعاء عام 2014 ليشكل منعطفا حاسما، ثم اتسعت الحرب في مارس 2015 مع التدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية، ودخل البلد مرحلة طويلة من الصراع وتفكك مؤسسات الحكم.
لم تكن الحرب مجرد مواجهة بين قوتين؛ فقد أعادت تشكيل موازين النفوذ، ووسعت الانقسامات، وخلقت سلطات أمر واقع، وأضعفت قدرة المؤسسات العامة على أداء وظائفها. ومع مرور الوقت، أصبحت معالجة آثار الحرب مرتبطة بمعالجة الأسباب السياسية التي سمحت لها بالاستمرار.
والمشكلة أن الأزمات لا تتوقف عند حدودها الأولى. فعندما تضعف الدولة، تتقدم مراكز النفوذ البديلة؛ وعندما تتعدد مراكز القرار، تتعطل السياسات العامة؛ وعندما تتراجع الخدمات، يفقد المواطن ثقته؛ وحين تفقد السياسة ثقة المجتمع، يصبح الوصول إلى تسوية مستدامة أكثر صعوبة.
وهكذا، لم يعد السؤال اليمني مجرد: متى تتوقف الحرب؟ بل أصبح: ما الدولة التي ستبقى بعد الحرب، ومن سيحكمها، وبأي قواعد، ولصالح من؟
سلطات متعددة ووطن واحد
يمثل تعدد مراكز السلطة أحد أبرز تعقيدات المشهد اليمني. ففي صنعاء ومناطق واسعة أخرى، تفرض جماعة الحوثيين سلطتها الفعلية، بينما تعمل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا ضمن ظروف سياسية وأمنية واقتصادية شديدة التعقيد. وفي الجنوب، يبرز المجلس الانتقالي الجنوبي وقوى أخرى لكل منها رؤيتها ومصالحها ومواقفها من شكل الدولة ومستقبل العلاقة بين الشمال والجنوب.
ولا تتوقف الصورة عند هذه الأطراف؛ فهناك قوى محلية وعسكرية وقبلية وسياسية متعددة، تتباين حساباتها وقدراتها ومناطق نفوذها. وهذا التعدد لا يعني أن جميع الأطراف تتحمل المسؤولية نفسها عن كل ما حدث، لكنه يكشف حجم التحدي الذي يواجه أي مشروع لاستعادة مؤسسات الدولة وتوحيد القرار الوطني.
لقد أصبح اليمن أمام معضلة سياسية جوهرية: كيف يمكن بناء دولة واحدة في ظل سلطات متعددة، ومؤسسات متنافسة، ورؤى مختلفة لمستقبل البلاد؟
إن الدولة ليست مجرد علم يرفع أو مبنى حكومي يفتتح أو مسؤول يتحدث باسم الشرعية. الدولة منظومة من القواعد والمؤسسات التي تحمي حقوق المواطنين، وتضمن تداول المسؤولية، وتدير الموارد العامة بشفافية، وتحتكر استخدام القوة وفق القانون، وتتيح للناس الاعتراض والمحاسبة دون خوف.
وما لم يتحول الاتفاق السياسي إلى قواعد واضحة للحكم وتقاسم المسؤولية وإدارة الموارد وتسوية الخلافات، فإن أي تسوية قد تتعرض للانتكاس عند أول اختبار جدي للمصالح المتعارضة.
فاليمن لا يحتاج إلى جمع القيادات حول طاولة واحدة فحسب؛ إنه يحتاج إلى اتفاق يحدد كيف تدار الدولة، وكيف تحمى حقوق الناس، وكيف تحل الخلافات دون العودة إلى السلاح.
المواطن اليمني الرقم الذي يخفي وراءه حياة كاملة
في مارس 2026، قدرت خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن أكثر من 22 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية والحماية، وأن نحو 18.3 مليون شخص يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي. كما أشارت إلى أن ملايين النازحين ما زالوا بحاجة إلى الدعم، وأن الخدمات الصحية والمياه والصرف الصحي تواجه ضغوطا شديدة. المصدر هو خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية في اليمن لعام 2026.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات في تقرير دولي؛ إنها صورة لمجتمع أنهكته سنوات الصراع. خلف كل رقم أسرة لها احتياجاتها ومخاوفها، وخلف كل حالة نزوح بيت تركه أصحابه قسرا، وخلف كل طفل يعاني سوء التغذية مستقبل مهدد قبل أن تتاح له فرصة البداية.
وحين يتراجع التعليم، لا يخسر اليمن حاضرا فقط، بل يخسر قدرته على النهوض مستقبلا. وحين تتعطل المستشفيات أو تعجز الأسر عن تحمل تكاليف العلاج، تتحول الأمراض التي يمكن التعامل معها إلى أعباء قاسية. وحين تنحسر فرص العمل، يصبح السفر المحفوف بالمخاطر أو الاعتماد على المساعدات خيارا اضطراريا أمام بعض الناس.
إن أخطر ما يفعله الصراع بالمجتمعات أنه لا يكتفي بتدمير البنية التحتية، بل يستنزف قدرتها على الصمود. فالأسرة التي تنفق سنواتها في البحث عن الغذاء والعلاج لا تستطيع بسهولة التخطيط لتعليم أبنائها أو تأسيس مشروع أو الاستثمار في المستقبل.
ومع ذلك، لا يجوز تصوير اليمنيين بوصفهم مجتمعا عاجزا ينتظر الإنقاذ من الخارج. فقد أثبت الناس، رغم قسوة الظروف، قدرة كبيرة على التكيف والتكافل والعمل. لكن قدرة المجتمع على التحمل ليست مبررا لتركه وحيدا في مواجهة أزمات صنعها الصراع وتفاقمها ضعف المؤسسات.
إن واجب السياسة أن تخفف أعباء الناس، لا أن تطلب منهم باستمرار مزيدا من الصبر بينما تتأخر الحلول.
الاقتصاد حين يصبح البقاء مشروع الأسرة الوحيد
لا يمكن فهم الأزمة اليمنية بعيدا عن الاقتصاد. فالحرب لا تدمر المباني والطرق فحسب، بل تضرب الإنتاج والاستثمار والتجارة والإيرادات العامة، وتضعف قدرة الدولة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات.
وفي تقرير صدر في 21 مايو 2026، أشار البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليمن انكمش بنسبة 1.5 في المئة خلال عام 2025، وتوقع انكماشا إضافيا بنسبة 0.5 في المئة خلال 2026. وأوضح التقرير أن استمرار توقف صادرات النفط، وتراجع الإيرادات، وضعف النشاط الاقتصادي، وانخفاض التمويل الإنساني تزيد الضغوط على الأسر والمؤسسات العامة. المصدر هو البنك الدولي، المرصد الاقتصادي لليمن، مايو 2026.
لكن الأرقام الاقتصادية لا تشرح وحدها ما يحدث في الأسواق والمنازل. فحين ترتفع أسعار السلع أو تتراجع قيمة العملة، لا تكون النتيجة مجرد تغير في المؤشرات؛ إنها تعني أن الراتب نفسه يشتري احتياجات أقل، وأن الأسرة تضطر إلى تقليص نفقاتها، وأن التاجر الصغير يواجه مخاطر أكبر، وأن العامل يصبح أكثر هشاشة أمام أي أزمة جديدة.
ويزيد الانقسام المؤسسي والنقدي من صعوبة إدارة الاقتصاد بصورة منسقة. كما أن تراجع الإيرادات العامة يضعف قدرة السلطات على الوفاء بالتزاماتها، فيما يؤدي اضطراب الخدمات إلى زيادة الأعباء على المواطنين والقطاع الخاص.
ولا يكفي في مواجهة ذلك تبادل الاتهامات. المطلوب إصلاحات قابلة للقياس: شفافية في الإيرادات والنفقات، ومكافحة الفساد، وتحسين إدارة الموارد، وحماية استقلال المؤسسات الاقتصادية، وانتظام دفع الرواتب، وتسهيل التجارة، وتوفير بيئة أكثر استقرارا للمشروعات وفرص العمل.
إن الاقتصاد لا يتعافى بالتصريحات، بل ببيئة يستطيع فيها المواطن أن يعمل ويخطط، ويثق بأن جهده لن تلتهمه التقلبات والفوضى. وأي مشروع سياسي لا يضع هذه المسألة في صدارة أولوياته يظل بعيدا عن جوهر معاناة الناس.
القضية الجنوبية لا يجوز اختزالها في القيادات
تظل القضية الجنوبية واحدة من القضايا الأساسية التي لا يمكن تجاوزها في أي تسوية وطنية مستدامة. فقد ارتبطت منذ سنوات بمطالب تتعلق بالمظالم والحقوق والتمثيل السياسي ومستقبل العلاقة بين الجنوب والشمال، وتطورت مواقف القوى الجنوبية ومشاريعها عبر مراحل متعددة.
لكن معالجة هذه القضية تتطلب التمييز بين مطالب الناس والقيادات التي تتحدث باسمهم، وبين حق المجتمع في التعبير عن تطلعاته وبين قدرة أي طرف على الادعاء بأنه الممثل الوحيد لجميع أبنائه.
فالمجتمعات لا تتطابق مواقفها بالضرورة، حتى عندما تشترك في تاريخ أو مظالم أو مطالب عامة. ولهذا، فإن أي حل مستدام ينبغي أن يتيح مشاركة سياسية حقيقية، وأن يستند إلى حوار جاد وضمانات واضحة، وأن يعالج جذور المظالم بدلا من تأجيلها أو محاولة تجاوزها بالقوة.
كما أن نقد أداء أي قيادة جنوبية لا يعني إنكار القضية الجنوبية، تماما كما أن الدفاع عن وحدة اليمن لا يبرر تجاهل المطالب المتعلقة بالحقوق والعدالة والتمثيل.
المعيار الحقيقي هو قدرة أي مشروع على تقديم إجابات عملية عن أسئلة الحكم والحقوق والموارد والأمن، وعلى بناء توافق يحمي الناس من تكرار الصراع.
فلا الوحدة المفروضة بالقوة تضمن الاستقرار، ولا الشعارات وحدها تصنع دولة عادلة. إن المستقبل يحتاج إلى صيغة سياسية تحظى بالقبول، وتحترم إرادة المواطنين، وتضع حقوقهم فوق مصالح القيادات ومراكز النفوذ.
اليمن بين مصالح الإقليم وحسابات الداخل
لم يعد اليمن شأنا داخليا معزولا عن محيطه. فموقعه عند باب المندب والبحر الأحمر، وقربه من طرق التجارة والطاقة، جعلاه حاضرا في حسابات إقليمية ودولية متشابكة. وقد أثرت التدخلات الخارجية في مسار الصراع، كما ارتبطت تطورات اليمن بمخاوف أمنية ومصالح استراتيجية تتجاوز حدوده.
لكن من الخطأ تفسير كل ما يحدث بأنه نتيجة قرارات خارجية فقط، مثلما أنه من الخطأ تجاهل تأثير القوى الإقليمية والدولية. فالأزمة نشأت وتطورت عبر تفاعل بين انقسامات داخلية ومصالح خارجية، وأصبحت بعض الأطراف المحلية مرتبطة بتحالفات وتوازنات تؤثر في خياراتها.
وفي سبتمبر 2026، حذر المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن من أن تصاعد المواجهات قد يوسع نطاق الصراع ويقوض فرص التسوية السياسية، داعيا الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين والعودة إلى المفاوضات. المصدر هو مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن، 7 سبتمبر 2026.
إن هذه التحذيرات تضع أمام اليمنيين والمجتمع الدولي حقيقة لا يمكن تجاهلها: استمرار التصعيد لا يهدد الأمن داخل اليمن فحسب، بل يزيد تعقيد العلاقات الإقليمية ويعرض المدنيين والبنية التحتية والملاحة لمخاطر إضافية.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول الموقع الاستراتيجي لليمن إلى عبء دائم على أبنائه. فالقيمة الحقيقية لهذا الموقع يجب أن تكون في فرص التجارة والتنمية والتعاون، لا في تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات.
ويظل السؤال: هل تستطيع القوى اليمنية بناء قرار وطني مستقل نسبيا عن صراعات المحاور، أم سيبقى مستقبل البلاد رهينا لتوازنات تتغير خارج حدودها؟
لماذا يتعثر السلام؟
من السهل المطالبة بالسلام، لكن الأصعب هو بناء الشروط التي تجعله قابلا للاستمرار. فوقف إطلاق النار لا يحل تلقائيا قضايا السلطة والسلاح والموارد والتمثيل السياسي، ولا ينهي المظالم التي غذت الصراع.
وتتعثر فرص التسوية عندما تخشى الأطراف أن يؤدي التنازل إلى فقدان نفوذها، أو عندما تغيب الضمانات التي تجعل الالتزامات المتبادلة قابلة للتنفيذ، أو حين تؤجل القضايا الأساسية إلى مرحلة لاحقة من دون جدول واضح.
كما أن أي عملية سياسية تستبعد أطرافا ومجتمعات متأثرة بالصراع أو تتجاهل القضايا الجوهرية قد تنتج اتفاقا هشا، حتى لو نجحت في وقف المواجهات مؤقتا.
لذلك، يحتاج السلام إلى مسار متكامل: تفاهمات أمنية قابلة للتحقق، ومعالجة اقتصادية وإنسانية عاجلة، وترتيبات سياسية واضحة، وضمانات لحقوق المواطنين، وآليات لمتابعة التنفيذ ومحاسبة من يعرقله.
ويحتاج كذلك إلى تغيير النظرة إلى السلطة. فحين ينظر إلى الدولة بوصفها غنيمة، تصبح كل تسوية معركة لتوزيع المناصب. أما حين تفهم بوصفها مسؤولية عامة، فإن السؤال يتحول من: من سيحصل على السلطة؟ إلى: كيف ستستخدم السلطة لتحسين حياة الناس؟
وهذا هو الفارق بين اتفاق يوقف جولة من القتال، ومشروع ينهي الأسباب التي تجعل القتال ممكنا مرة أخرى.
من المسؤول؟ ومن يراجع حسابات السنوات الماضية؟
لا يمكن بناء المستقبل عبر تجاهل الماضي، كما لا يمكن اختزال الماضي في خطاب اتهامي لا يميز بين الوقائع والادعاءات. إن المسؤولية السياسية تقتضي مراجعة القرارات التي اتخذتها القيادات، والنتائج التي ترتبت عليها، والوعود التي لم تتحقق، والموارد التي أديرت باسم المواطنين.
ومن حق اليمنيين أن يسألوا كل سلطة عن مستوى الخدمات في مناطق نفوذها، وعن مصير الإيرادات العامة، وعن أسباب تعثر المؤسسات، وعن مدى احترام حقوق الناس، وعن الخطط العملية للخروج من الأزمة.
ومن حقهم كذلك أن يعرفوا كيف تتخذ القرارات العسكرية والسياسية، وما الضمانات التي تمنع تكرار الأخطاء، وكيف يمكن للمجتمع أن يحاسب المسؤولين دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة أو تهديد.
إن المساءلة ليست انتقاما، بل شرط من شروط بناء الثقة. ولا تعني المطالبة بها أن جميع الأطراف ارتكبت الأخطاء نفسها، بل تعني أن المسؤولية يجب أن تحدد وفق الأدلة والقرارات والأفعال، لا وفق الولاء السياسي.
كما أن الاعتراف بالإخفاق ليس ضعفا إذا تبعته مراجعة وتصحيح؛ أما إنكار المشكلات أو تحميلها دائما للآخرين، فإنه يجعل المستقبل أسيرا للأسباب نفسها التي صنعت الأزمة.
وما يحتاجه اليمن اليوم ليس مزيدا من الخطب التي تعد بالخلاص، بل قيادات تقبل أن تقاس شرعيتها السياسية بما تحققه للناس، وبمدى التزامها بالقانون، واستعدادها لتقديم إجابات واضحة عن الأسئلة الصعبة.
أي يمن نريد بعد الحرب؟
إن إعادة بناء اليمن ليست مهمة هندسية تقتصر على إصلاح الطرق والمباني، ولا اتفاقا سياسيا يقتصر على توزيع المقاعد. إنها عملية أوسع لإعادة بناء المؤسسات والثقة والعلاقة بين المواطن والدولة.
وتبدأ هذه العملية بتثبيت الأمن، وتوحيد المؤسسات على أسس قانونية، وحماية استقلال القضاء، وتحسين إدارة الموارد، ومكافحة الفساد، وانتظام الرواتب، واستعادة الخدمات الأساسية. ثم تمتد إلى إصلاح التعليم والصحة، وخلق فرص العمل، ودعم المشروعات الصغيرة، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين بأمان وكرامة.
كما تتطلب تسوية سياسية تستوعب تنوع اليمنيين، وتعالج القضية الجنوبية وسائر القضايا الوطنية بجدية، وتمنح المواطنين فرصة حقيقية للمشاركة في تحديد مستقبلهم.
ولن ينجح أي مشروع وطني إذا ظل نصف المجتمع أو بعض مناطقه يشعر بأن صوته غير مسموع، أو أن موارده تدار بعيدا عن مصالحه، أو أن حقوقه مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
إن بناء الدولة يبدأ من تفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها تعني الكثير للناس: مدرسة تفتح أبوابها، ومستشفى يستطيع استقبال المرضى، وطريق آمن، وراتب يصل في موعده، وقضاء ينصف المظلوم، ومسؤول يمكن مساءلته.
هذه التفاصيل هي التي تجعل الدولة حقيقة في حياة المواطنين، لا مجرد مفهوم يستدعى في المناسبات السياسية.
واليمن، رغم ما أصابه، لا يفتقر إلى البشر القادرين على إعادة البناء، ولا إلى الطاقات التي يمكن أن تسهم في التعافي. لكنه يحتاج إلى بيئة تسمح لهذه الطاقات بالعمل، وإلى قرار سياسي يضع المصلحة العامة فوق حسابات البقاء في السلطة.
خاتمة لا وطن يبنى فوق أنقاض أبنائه
بعد كل هذه السنوات، لا يحتاج اليمنيون إلى من يشرح لهم أن الحرب مؤلمة؛ لقد عاشوا نتائجها في بيوتهم وأرزاقهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم. ولا يحتاجون إلى شعارات جديدة بقدر ما يحتاجون إلى أسباب حقيقية تجعلهم يصدقون أن الغد يمكن أن يكون مختلفا.
لقد أثبتت التجربة أن القوة وحدها لا تنتج دولة مستقرة، وأن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة القدرة على بناء المؤسسات، وأن الخطاب السياسي مهما بلغ تأثيره لا يستطيع أن يحل محل الخدمات والحقوق والعدالة.
ولن يكون أي انتصار مكتملا إذا ظل المواطن خائفا على لقمة عيشه، أو عاجزا عن علاج طفله، أو مضطرا إلى ترك وطنه بحثا عن فرصة للحياة. كما لن يكون السلام مستداما إذا اقتصر على تفاهمات بين القيادات ولم يصل أثره إلى الشارع اليمني.
إن اليمن أكبر من جميع القوى التي تتنازع حكمه، وأوسع من كل الشعارات التي رفعت باسمه، وأعمق من أن يختصر تاريخه في سنوات الحرب. لكن هذا المعنى لا ينبغي أن يبقى عبارة جميلة في مقال؛ يجب أن يتحول إلى مبدأ يحكم القرارات والسياسات، ويجعل حياة الإنسان معيارا لكل مشروع سياسي.
فكم جيلا آخر ينبغي أن يدفع ثمن الخلافات قبل أن يصبح الاتفاق على الدولة أولوية تتقدم على التنافس على السلطة؟ وكم فرصة يجب أن تضيع قبل أن يدرك الجميع أن الوطن الذي ينهكه الصراع لا يمنح أحدا مستقبلا آمنا، مهما امتلك من نفوذ اليوم؟
لن يسأل اليمنيون أبناءهم يوما عن عدد الشعارات التي رفعت، بل عن الوطن الذي تركه لهم الكبار: هل تركوا دولة تحميهم، ومدارس تعلمهم، ومستقبلا يليق بأحلامهم، أم تركوا حربا جديدة وأسماء جديدة للأزمة القديمة؟
فالتاريخ لا يقيس عظمة القيادات بما احتفظت به من سلطة، بل بما تركته للناس من أمن وكرامة وعدالة. واليمن لا يحتاج إلى من ينتصر على اليمنيين، بل إلى من يساعدهم على استعادة وطنهم؛ وطن لا تكون فيه الدولة غنيمة، ولا المواطن ضحية دائمة، ولا السلام وعدا مؤجلا، بل حقا يعيشونه كل يوم.