آخر تحديث :الخميس-15 أكتوبر 2026-01:38ص

تجربتــي مع الكتابــة

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - الساعة 09:14 م
محمد أحمد بالفخر


كنت في سنيني الدراسية الأولى ربما منذ الثالث ابتدائي اشتريت دفتراً كبيراً مغايراً للدفاتر المدرسية المعتادة والمتاحة في ذلك الوقت في بلادنا، وبدأت أسجل فيه الأحداث التي تجري في البلد كتسجيل الوفيات، مثلاً توفي في هذا اليوم فلان الفلاني أو رُزِقَ للأسرة الفلانية مولود أو جاء أحد المسافرين من الغربة أو هطلت أمطار شديدة وسالت على أثرها الأودية والشعاب وخلفت هذه السيول أضراراً في هذا المكان أو ذاك، ومثل هذه الأحداث المحلية.

ثم جاءت بعدها أحداث وقرر والدي رحمه الله السفر إلى المملكة العربية السعودية وتحديداً إلى مدينة جدة بعد أن ضاق به العيش في البلد واتخذ قراراً آخر بأن أسافر معه رغم صغر سني فقال محمد سيعينني في الدكّان (البقالة الصغيرة التي ينوي فتحها) هناك كما كان يفعل في كل فترات سنين غربته السابقة، وحاول الكثير من الأهل إقناعه بأنني مازلت صغيراً على الاغتراب لكن قراره كان حاسماً ولم تنفع معه توسلات الوالدة رحمها الله،

وطبعاً انتقلت إلى عالم آخر من القرية إلى المدينة وأي مدينه إنها جدة وعالم آخر ومجتمع ليس كالمجتمع البسيط الذي كنت فيه، وثقافة ونمط حياة مختلف تماماً عمّا ألفته في قريتنا الصغيرة، فلأول مرة أشاهد التلفزيون وأرى المكتبات والصحف والمجلات ومناهج دراسية غير التي كنا نتعلّمها وأنماطا متعددة من جنسيات مختلفة.

وبعد ما يقارب عشر سنوات وبعد مخزون معلوماتي واطلاع كبير للأحداث من خلال قراءة الصحف والمجلات ومنها مجلة العربي الكويتية التي أترقب صدورها ومجيئها كل شهر، وكذلك شراء الكتب وفق الإمكانيات المتاحة، عدت لهواية كتابة الذكريات بتفاصيلها الدقيقة، وكنت عندما أكتب رسالة لأخٍ أو قريبِ أو صديق أو غيرهم فإني أجعلها عدة أوراق وشاملة لأحداث كثيرة وحِكَم وعبارات ومفردات شعرية وغير ذلك.

وكانت للتحولات في حياة الإنسان كالزواج مثلاً وأوقات العمل يغيران في المسارات القديمة كلها، بل ويحدّان من طموحك واهتماماتك فتوقفت الكثير من الهوايات ومنها الكتابة بكل تأكيد.

عدت من السعودية إلى حضرموت ومررت بمحطات متعددة في مسارات العمل وغيره وحصلت معي بعض التعثرات وتعرضت لاستهداف سياسي أثّر عليّ بشكل عام.

وذات يوم كنت مدعواً عند أحد الأصدقاء لتناول طعام الغداء وكان عنده أحد الدكاترة صديقنا ضيفاً هو الآخر، وهو يعرف ما ألمّ بي في مسار عملي والاستهداف المتعمّد الذي تولّى كِبره الهلال الآفل، فنبّهني الدكتور محمد جزاه الله خيراً إلى شيء مدفون لدي وكنت قد نسيته فقال يا أستاذ محمد أنت تقرأ كثيراً ولديك اطلاع واهتمام بقضايا المجتمع في كل جوانبه وعندك مخزون لا بأس به من المعلومات العامة فلماذا لا تكتب مقالات في إحدى الصحف والبلاد؟ فيها هامش حرية جيّد وقد يكون لقلمك تأثيره وينبغي أن تستخدمه كسلاحٍ فعال في معركة الوعي والتنوير.

هذه الإشارة من الدكتور ظلّت تراودني لكن بقي السؤال كيف سيتم تحقيق ذلك؟ تعرّفت ذات يومٍ وعن طريق الصُدفة بناشر ورئيس تحرير صحيفة الأيام العدنية الشهيرة الأستاذ هشام باشراحيل رحمه الله ودار بيننا حديث فأبلغته عن رغبتي بالكتابة فرحّب بي، فبدأت أرسل لهم المقالات واحداً تلو الآخر والحمد لله كان لمقالاتي قبولاً لدى القرّاء نظراً لطرحي لهموم الناس وما يمس مشاكلهم، وبعد ذلك صار لي عمود أسبوعي في الصحيفة تحت عنوان (ظلال الأيام)، وكذلك كتبت في بعض الصحف الأخرى ومنها صحيفة عدن الغد التي مازلت أكتب فيها حتى اليوم من خلال عمود أسبوعي يحمل عنوان (كل خميس)، وشاركت ببعض المقالات بين الحين والآخر في صحف عربية ومنها بعض صحف المملكة.

فالخلاصة أن الكتابة بقدر ما هي متنفس فليكن متنفسا في الحق ومن أجل الحق لأن الكلمة موقف وكلما كانت مواقفك لخدمة دينك وبلدك وأهلك ومجتمعك جعل الله لها القبول عند الناس.

ولكن الكتابة أحياناً لا تروق للمتسلطين وكما أسلفت أن الكلمة موقف فكم دفعت من أثمان لهذا الموقف.

خاتمة شعرية للشاعر أحمد مطر:

بلدي ... يا بلدي

شئت أن أكشف ما في خلدي

شئت أن أكتب أكثر

شئت ... لكن

قطع الوالي يدي

وأنا أعرف ذنبي

إنني

حاجتي صارت لدى كلبٍ

وما قلت له: يا سيدي