آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-01:26ص

الحوشبي… وقصة وطن

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - الساعة 06:56 م
المحامي مختار راجح



من يرمّم أساس العدالة لا يحتاج إلى المديح بقدر ما يحتاج إلى السند


بقلم: المستشار والباحث مختار راجح


قالت العرب: إذا أردت أن تعرف معدن الرجل، فانظر إلى ما يحمل من همومٍ لا تخصّه وحده، وإلى ما يبذله في سبيل قضيةٍ لا ينتظر منها جزاءً ولا شكورًا .


وقالوا: ليس المجد أن تعلو على الناس، وإنما المجد أن تحمل أثقالهم حين يعجزون عن حملها .


وقالوا: من زرع العدل حصد الأمن، ومن أقام ميزان الحق أمّن الأوطان .


ولعل أبلغ ما يمكن أن يُقال في العلامة محسن الحوشبي، رئيس مجلس القضاء الأعلى، أن الرجل يقف أمام منظومةٍ قضائيةٍ أنهكتها تراكمات السنين، كجرّاحٍ استُدعي لإنقاذ جسدٍ تآكلت بعض عظامه، ثم اكتشف أن أدوات الجراحة أقل من حجم الجراح، وأن الفئران قد نخرت في الأساسات حتى بات ترميمها يحتاج إلى إرادةٍ لا تعرف اليأس، وصبرٍ لا تستهويه المظاهر، وعملٍ لا يكتفي بتسكين الألم بينما يستمر المرض في جذوره.


إنها ليست مهمة إصلاحٍ عابرة، ولا معركةً تُحسم بقرارٍ إداريٍّ أو خطابٍ احتفالي؛ إنها محاولةٌ لإعادة بناء الثقة في العدالة، وترميم ما تصدّع في بنيانها، وإعادة الاعتبار إلى القضاء بوصفه الملاذ الذي يقصده المظلوم، والميزان الذي يستوي أمامه القوي والضعيف، والركن الذي لا تستقيم الدولة إذا اختلّ.


وقد عرفته، من خلال ما لمسته من اهتمامه بهمّ الوطن وقضية إصلاح القضاء، رجلًا يحمل من معاني المسؤولية والإخلاص ما يدفعني إلى أن أرى في هذه المهمة مشروعًا وطنيًّا يستحق أن تتضافر من أجله الجهود. ولستُ من أهل قرابته، ولا تربطني به صلةٌ عائلية، وإنما جمعتني به قضيةٌ أوسع من الأشخاص، وأبقى من المصالح: قضية العدالة التي لا وطن آمنًا من دونها، ولا تنمية حقيقية بغيرها.


ولستُ أكتب اليوم لأستجدي قربًا، ولا لأستعير من مقام المسؤول وجاهًا، وإنما أكتب لأنني أؤمن أن الكلمة الصادقة قد تكون عونًا، وأن البحث العلمي قد يضع في يد صاحب المسؤولية أداةً لم تكن متاحة، وأن النصيحة المخلصة قد تختصر طريقًا طويلًا من التجربة والخطأ.


ومن هنا، فإنني أرى أن ما يمكن أن نسمّيه منظومة الحوشبي القضائية لا ينبغي أن يكون اسمًا لشخص، بقدر ما ينبغي أن يكون عنوانًا لمشروعٍ مؤسسيٍّ تتجاوز ثماره الأفراد، وتبقى آثاره بعد تبدّل المواقع وتغيّر المسؤولين؛ منظومةٍ تقوم على سيادة القانون، واستقلال القضاء، وسرعة الفصل في الخصومات، وحماية الحقوق، وتنفيذ الأحكام، ومحاسبة من يسيء استعمال السلطة، وإغلاق المنافذ التي يتسلل منها الفساد إلى جسد العدالة.


فالقاضي العادل لا تصنعه الهيبة وحدها، بل تصنعه ضمانات الاستقلال، وكفاءة التأهيل، وسلامة الإجراءات، ووضوح القانون، والرقابة المشروعة، وقدرة المؤسسات على إنفاذ أحكامها دون تمييز.


وأنا، بصفتي مستشارًا وباحثًا كرّست سنواتٍ من عمري للبحث القانوني والمقارنة بين التشريع اليمني والفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء الفقهاء، أضع ما أملك من علمٍ واجتهادٍ وبحثٍ في خدمة كل جهدٍ وطنيٍّ جادٍّ يسعى إلى تطوير القضاء، وسدّ الثغرات التشريعية، وتبسيط القانون، وتقديم الرأي العلمي الذي يعين على الإصلاح، دون أن يتدخل في استقلال القاضي أو يحلّ محل المؤسسات المختصة.


إنني لا أزعم أن البحث وحده يصلح ما أفسدته سنواتٌ طويلة، لكنني أؤمن أن الإصلاح الذي لا يستند إلى العلم قد يتعثر، وأن العلم الذي لا يجد طريقه إلى التطبيق قد يبقى حبيس الصفحات. وبين المعرفة والممارسة تُبنى الجسور، وتُختبر الأفكار، وتتحول الدراسات إلى حلولٍ نافعة.


وهنا تبرز الحقيقة التي أرجو أن يتفق عليها الجميع: لا نهضة بلا اقتصاد، ولا اقتصاد قويًّا بلا عدالة، ولا عدالة فاعلة بلا مؤسساتٍ مستقلةٍ وكفؤةٍ وقادرةٍ على حماية الحقوق وإنفاذ القانون.


فالاستثمار لا يطمئن إلى أرضٍ تتنازعها الخصومات بلا نهاية، والتاجر لا يغامر بماله إذا لم يثق في القضاء، والمواطن لا يشعر بالأمان إذا كان حقه ينتظر سنواتٍ طويلةً حتى يصل إليه. وحين تستعيد العدالة ثقة الناس، فإنها لا تحمي الأفراد فحسب، بل تحمي الأسواق، وتصون المال العام، وتشجع الإنتاج، وتمنح الدولة فرصةً حقيقيةً للنهوض.


ومن هذا المنطلق، فإنني أناشد الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وسائر الدول العربية الشقيقة، أن ينظروا إلى إصلاح القضاء اليمني بوصفه استثمارًا في استقرار اليمن ومستقبله، وأن يدرسوا، بالتنسيق مع المؤسسات اليمنية المختصة، سبل دعم برامج التأهيل القضائي، وتطوير البنية التقنية للمحاكم، وأرشفة القضايا، وتعزيز قدرات التنفيذ، وتمويل البحوث القانونية التطبيقية، وفق احتياجاتٍ واضحةٍ وأولوياتٍ وطنيةٍ وآلياتٍ شفافةٍ تضمن أن يصل الدعم إلى موضعه الصحيح.


فاليمن الذي أنهكته الأزمات لا يحتاج إلى المساندة في ميادين الإغاثة وحدها؛ إنه يحتاج كذلك إلى بناء المؤسسات التي تمنع تكرار الأزمات، وإلى عدالةٍ تحفظ الحقوق، وتردع الاعتداء، وتعيد للمواطن ثقته بأن القانون ليس نصًّا على الورق، بل ضمانةٌ قائمةٌ في حياته.


يا سيادة العلامة محسن الحوشبي، إن الطريق الذي أمامكم شاقٌّ، والإرث الذي تحاولون إصلاحه ليس هيّنًا، والتحديات أكبر من أن يحملها رجلٌ بمفرده. لكن قيمة المسؤول لا تُقاس بسهولة الطريق، وإنما بما ينجح في إنجازه، وبما يتركه من مؤسساتٍ أقوى من الأشخاص، وقواعدَ أصلب من المصالح العابرة.


ولعل أعظم ما يمكن أن يُهدى إلى رجلٍ يتولى مسؤوليةً كهذه ليس قصيدةَ مديحٍ، ولا لقبًا يُضاف إلى اسمه، وإنما دراسةٌ نافعة، وملاحظةٌ صادقة، ومقترحٌ قابلٌ للتطبيق، ويدٌ تمتد للعمل دون أن تطلب لنفسها موضعًا في الصورة.


إنني أمدّ يدي بالعلم والبحث والرأي، لا طلبًا لمصلحةٍ شخصية، بل إيمانًا بأن الوطن يستحق أن نضع ما نملك في سبيل نجاته. فإن وجد بحثي طريقه إلى مشروع الإصلاح، فذلك شرفٌ للعلم، وإن تحوّلت فكرةٌ إلى إجراءٍ يحمي حقًّا أو يختصر زمن خصومةٍ أو يسدّ ثغرةً في القانون، فذلك عندي أعظم من كل ثناء.


فليكن معيار القرب من المسؤول مقدار ما يقدمه المرء للوطن، لا مقدار ما يناله من حظوته؛ وليكن معيار المديح ما يصدّقه العمل، لا ما ترفعه العبارات؛ وليكن ميزان النجاح ما يشعر به المظلوم حين يسترد حقه، والمواطن حين يطمئن إلى قانونه، والمستثمر حين يجد قضاءً يحمي تعاقداته.


وفي الختام، أقولها كلمةً أؤمن بها: إن إصلاح القضاء ليس مشروع رجلٍ وحده، لكنه قد يبدأ بإرادة مسؤول، ويقوى بعلم الباحث، ويستقيم باستقلال القاضي، وينجح حين تتكاتف الدولة والمجتمع والأشقاء لدعم مؤسساتٍ عادلةٍ لا تُباع فيها الحقوق ولا تُشترى.


فإن استطاع الحوشبي أن يضع لبنةً صلبةً في أساس العدالة، فليكن الفضل للمؤسسة التي تنهض، وللوطن الذي يستعيد عافيته، وللأجيال التي سترث قضاءً أقرب إلى الحق وأبعد عن الهوى.


فالرجال يرحلون، والمناصب تتبدّل، أما المؤسسات التي تُبنى على العدل فتبقى؛ وأما الأثر الصادق، فلا يحتاج إلى من يخلّده بالمديح، لأن الناس سيجدونه قائمًا في حقوقهم المصونة، وأحكامهم المنفذة، وأوطانهم الآمنة.